حوار: رؤى ممدوح
تصوير: محمد مصطفى
في التاريخ الرسمي ثمة «مقصلة» غير مرئية تُقصي من تشاء وتُبقي من تشاء، حيث تتركز الأضواء على القمة ويغرق الجسد في العتمة، لكن الكاتب الصحفي ياسر الشيمي في كتابه «متاهة النكران» قرر أن يمارس دور «المنقب» في مناجم النسيان، ليعيد إلينا عقولا مدبرة وقلوبا فدائية أشعلت الأرض تحت أقدام الإمبراطورية البريطانية.
هذا الحوار مواجهة أخلاقية مع ذاكرتنا الوطنية المبتورة، وتفكيك «شيفرة الجحود» التي طالت قرياقص ميخائيل، وحميدة خليل، وعزيزة خضير، ورفاقهم، في رحلة شاقة لاستعادة «عدالة الذاكرة» وإنصاف أبطال لم يطلبوا من الوطن سوى الحرية، فكافأهم التاريخ بالصمت المطبق.
- ما الذي دفعك للبحث في سيرة أبطال ثورة 1919 المنسيين تحديدا؟
الدافع الحقيقي خلف هذا العمل ينبع من شعور جارف بالظلم الواقع على بنية الوعي المصري، فثورة 1919 في وجداننا صارت أشبه بصورة فوتوغرافية ثابتة يتصدرها الزعيم وحده، بينما تظل الخلفية ضبابية لا ملامح لها.
خلال رحلة تنقيبي في الأرشيفات السرية والتقارير البريطانية، بدأت تظهر لي أسماء «مرعبة» في تأثيرها، أسماء كانت تحرك الملايين وتدير أجهزة سرية وتقود مظاهرات عارمة في الأقاليم، ومع ذلك لا نجد لها ذكرا في كتب المدارس أو الاحتفالات الرسمية.
قرياقص ميخائيل وحميدة خليل وعزيزة خضير.. دماء وأقلام ابتلعتها مقبرة التدوين النخبوي
إن استعادة هؤلاء المنسيين هي محاولة لترميم الضمير الوطني، فالثورة كانت شبكة معقدة من التضحيات، بدأت من رصاصة الفدائي في حارة ضيقة، وصولا إلى قلم الصحفي في لندن، وانتهت بصرخة الفلاح في الصعيد.
لقد شعرت أن من حق هؤلاء الذين دفعوا أعمارهم في غياهب السجون أو سقطوا برصاص الغدر، كأحمد عبد الحي كيرة وحميدة خليل، أن يجدوا مكانا في ذاكرة الأجيال الجديدة، لأن الوطن لا يكتمل أبداً بذاكرة مبتورة أو مشوهة تحتفي بالرؤوس وتتجاهل الأجساد التي حملت عبء المواجهة.
- كيف تعرف «المنسيين» في سياق الثورة؟.. وهل هم من غابوا عن كتب التاريخ أم من تم تجاهلهم عمدا؟
المنسيون في نظري هم «شهداء النكران»، أولئك الذين أدوا أدوارا مفصلية غيرت مجرى الأحداث، ثم سُحب من تحت أقدامهم بساط الاعتراف التاريخي.
النسيان هنا يتخذ شكلين، الأول عفوي ناتج عن آلية الاختزال التعليمي التي تفضل الرمز الواحد ليسهل حفظه، أما الثاني فهو تجاهل شبه عمدي مارسته النخب السياسية التي رغبت في احتكار المجد وحصر الثورة في أطر حزبية ضيقة.
نحن نتحدث عن أبطال مثل «عزيزة خضير» التي واجهت بشاعة المحتل في نزلة الشوبك، وقرياقص ميخائيل الذي خاض حربا إعلامية في قلب عاصمة الضباب، هؤلاء لم يغيبوا لأن أدوارهم ثانوية، بل غُيبوا لأن بطولاتهم كانت فطرية وشعبية وخارجة عن سيطرة «الباشوات».
النسيان هنا هو ثقب أسود ابتلع تضحيات هائلة، ومهمتي في هذا الكتاب هي انتزاع هذه السير من ذلك الثقب وإعادتها إلى سياقها الطبيعي كأعمدة أساسية في بناء الاستقلال المصري، مؤكدا أن التاريخ الذي يكتبه «المنتصرون في السياسة» غالباً ما يظلم «المناضلين في الميدان».
- متى بدأت فكرة هذا الكتاب.. وكم استغرق منك من وقت في البحث والتوثيق؟
فكرة الكتاب ولدت من رحم الدهشة المريرة، فكلما أوغلت في قراءة مذكرات المعاصرين والوثائق البريطانية، وجدت فجوة هائلة بين ما حدث فعلا وبين ما يُروى لنا.
استغرق البحث والتوثيق سنوات طوال من العمل الذي لم يقتصر على قراءة الكتب المتاحة، بل امتد ليشمل نبش الأوراق المهملة والصحف الصفراء التي عاصرت الثورة، والبحث في أرشيفات المحاكم والتقارير الأمنية للاحتلال التي كانت ترصد بدقة «خطر» هؤلاء المجهولين.
قضيت وقتا طويلا في تتبع خيوط شخصية «ابن الحظ» والبحث عن تفاصيل حياة «القمص سرجيوس» و"الشيخ القاياتي" وربط تحركاتهم ببيئتهم الاجتماعية.
استعادة هؤلاء الأبطال حق أصيل للوطن.. والاعتراف بتضحياتهم واجب تأخر قرنا من الزمان
التوثيق كان عملية معقدة أشبه بإعادة بناء تمثال محطم، فكل شظية معلومة كانت تحتاج إلى فحص ومقارنة لضمان الدقة المطلقة، لم يكن الهدف سرد حكايات، بل صياغة وثيقة تاريخية متماسكة تصمد أمام النقد، وتعيد لهؤلاء الأبطال شرفهم الضائع في زحام التاريخ.
- أكان هناك اسم أو قصة صدمتك أثناء البحث ولم تكن تعرفها من قبل؟
الصدمة كانت رفيقتي الدائمة في هذا البحث، لكن قصة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن المصرية
