حين يختلط المفهوم بالممارسة، وتذوب الحدود بين الوظائف والأدوار، تتشوش الرؤية وتضيع الهوية. هكذا يحدث تمامًا عندما يذوب البحث العلمي في التعليم العالي؛ فيفقد ملامحه، وتتفرق دماؤه بين القبائل، ويتحول من مشروع نهضوي مستقل إلى نشاط تابع، تحكمه اعتبارات إدارية وأعباء تدريسية لا تمت إلى جوهره بصلة.
ليس من الإنصاف أن نساوي بين التعليم العالي والبحث العلمي مساواة مطلقة، ولا أن نفصلهما فصلاً تامًا. فالعلاقة بينهما علاقة تداخل وتكامل، لكنها ليست علاقة تطابق أو ذوبان. التعليم العالي، في جوهره، عملية إعداد وتأهيل وبناء قدرات؛ يهدف إلى نقل المعرفة، وصقل المهارات، وتخريج كوادر قادرة على الاندماج في سوق العمل وخدمة المجتمع. أما البحث العلمي، فهو فعل اكتشاف وإبداع، يسعى إلى إنتاج المعرفة لا مجرد نقلها، وإلى طرح الأسئلة قبل الإجابة عنها، وفتح آفاق جديدة قبل الاكتفاء بتكرار ما هو قائم.
يختلف التعليم العالي عن البحث العلمي اختلافًا كليًا من حيث الغاية والوظيفة، ويختلف عنه اختلافًا جزئيًا من حيث الوسائل والأدوات. فخطط التعليم تُبنى على جداول زمنية واضحة، ومقررات محددة، ومعايير تقييم منضبطة. أما البحث العلمي، فطبيعته مرنة، ومساره غير خطي، ونتائجه غير مضمونة سلفًا. قد يستغرق البحث سنوات دون نتيجة ملموسة، وقد يثمر اكتشافًا يغير مسار علم بأكمله. لذلك فإن إخضاع البحث لمنطق القاعات الدراسية وجداول المحاضرات يُفرغه من جوهره، ويقيده بقيود لا تتفق مع طبيعته الحرة.
الواقع العملي يؤكد أن البحث العلمي يُعد جزءًا متجزئًا من منظومة التعليم العالي، إذ لا جامعة حقيقية بلا بحث، ولا تعليم جامعي متطور بلا إنتاج معرفي. غير أن.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من مجلة نقطة العلمية
