بناء الدولة في مرحلة ما بعد الصراع: من شرعية التضحية إلى عقل الدولة. سلام جاسم الطائي . رئيس مركز وطن للأعلام والدراسات الاستراتيجية

يمثل مسار بناء الدولة في العراق منذ عام 2003 حالة مركّبة اتسمت بتداخل الأزمات البنيوية مع التحديات الأمنية والتجاذبات الإقليمية والدولية. فقد نشأ النظام السياسي الجديد في سياق هشّ، رافقته انقسامات مجتمعية، وضعف مؤسسي، وتنامي العنف المنظم، ما جعل عملية بناء الدولة تواجه اختبارات مستمرة عطّلت الانتقال إلى الاستقرار السياسي طويل الأمد. ومع أن هزيمة تنظيم داعش مثّلت نهاية لمرحلة الخطر الوجودي، إلا أنها فتحت في الوقت ذاته بابًا أكثر تعقيدًا، يتمثل في كيفية الانتقال إلى منطق بناء الدولة، ومن شرعية المواجهة الشرعية إلى شرعية المؤسسات. وفي هذا السياق، تبرز أهمية دور الفاعلين السياسيين الذين كان لهم حضور محوري في مرحلة الصراع، ثم انتقلوا إلى ساحة العمل السياسي في مرحلة ما بعده.

تُعدّ مرحلة ما بعد الصراع من أكثر المراحل حساسية في مسار بناء الدولة، إذ لا تقتصر على إعادة الإعمار المادي، بل تشمل إعادة بناء الشرعية السياسية، وترميم الثقة بين الدولة والمجتمع، وضبط مراكز القوة ضمن إطار دستوري جامع. وتُظهر الأدبيات المقارنة أن الاستقرار المستدام لا يتحقق عبر إقصاء الفاعلين المؤثرين في مرحلة مهمة وواضحة في الثبات و خالية من ماتسمى المكسب السياسية في وقتها اذ كان المتصدين يعملون على دفع الشر عن البلاد وحماية المقدسات والدفاع عن الدين في هذا الإطار، يصبح التحدي المركزي هو تحويل شرعية التضحيات والانتصار إلى شرعية سياسية مؤسسية، تُسهم في تعزيز الدولة . وهو تحدٍّ يرتبط بدرجة الوعي السياسي لدى القيادات، وقدرتها على إدراك أن الانتصار الحقيقي لا يكتمل إلا حين يتحول إلى دولة قادرة، مستقرة وثابتة المعالم

بعد الانتصار الكبير على عصابات داعش الارهابية والوقوف بوجه من حاول ان يهدد اركان الدولة دخل العراق مرحلة سياسية مختلفة، اتسمت بتراجع التهديدات الأمنية المباشرة، وصعود أولويات الاستقرار السياسي والاقتصادي، وإعادة تنظيم العلاقة بين القوى السياسية والدولة. ولم يعد التحدي يتمحور حول البقاء، بل حول تثبيت أركان النظام السياسي، وضبط إيقاع التنافس، ومنع الانزلاق مجددًا إلى الفوضى والانقسام. وفي هذا السياق، برزت الحاجة إلى قيادات سياسية قادرة على الجمع بين الثبات المبدئي والمرونة السياسية، وإدارة التوازنات الداخلية والخارجية بعقل الدولة، لا بمنطق التعبئة، كما برزت محاولات لتنظيم التعدد داخل المكوّنات السياسية الأساسية، وفي مقدمتها المكوّن الشيعي، الذي يُعدّ ركيزة محورية في معادلة الحكم بعد 2003.

ضمن هذه البيئة السياسية المعقّدة، يمكن مقاربة الدور السياسي للأمين العام لحركة عصائب أهل الحق، سماحة الشيخ قيس الخزعلي، بوصفه حالة دالّة على تحوّل فاعل مؤثر من منطق المواجهة إلى منطق التأثير السياسي المنظّم داخل بنية الدولة. فقد اتسم خطابه بتركيز متزايد على مفاهيم الدولة، والسيادة، ووحدة المكوّنات الاجتماعية، مقرونًا برفض مشاريع التفكيك والانقسام، وبسعيٍ لإعادة تأطير الاختلاف السياسي ضمن حدود العملية الدستورية. ويعكس هذا الخطاب تبنّي مقاربة براغماتية في التعاطي مع التوازنات الإقليمية والدولية، تقوم على رفض الإملاءات الخارجية، مع تجنّب الانزلاق إلى سياسات العزلة أو التصعيد غير المحسوب. وهي مقاربة تتّسق مع متطلبات مرحلة ما بعد الصراع، حيث يصبح الحفاظ على الاستقرار السياسي والاقتصادي هدفًا استراتيجيًا يتقدّم على منطق الاستقطاب الحاد.

إن بناء الدولة العراقية في مرحلة ما بعد الصراع لا يمثل مهمة تقنية أو ظرفية، بل عملية سياسية معقّدة تتطلب عقلانية، ومرونة، وقدرة على إدارة التوازنات الداخلية والخارجية. وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى دور الإطار التنسيقي وبعض القيادات المنخرطة فيه، ومنها الشيخ قيس الخزعلي، بوصفه جزءًا من مسار أوسع يسعى إلى إعادة موضعة الفاعلين المؤثرين ضمن منطق الدولة، وتحويل رصيد التضحيات والانتصار إلى سياسات عامة تُسهم في ترسيخ الاستقرار السياسي والاقتصادي. ويبقى نجاح هذا المسار مرهونًا بمدى القدرة على ترسيخ عقل الدولة، وتغليب المصلحة العامة، وتحقيق الهدف الجوهري المتمثل في أن يكون خير العراق لأبنائه جميعًا، عبر دولة مستقرة، قادرة، وشاملة


هذا المحتوى مقدم من وكالة وطن للأنباء - العراق

إقرأ على الموقع الرسمي


قناة السومرية منذ 3 ساعات
قناة السومرية منذ 7 ساعات
قناة السومرية منذ 5 ساعات
وكالة الحدث العراقية منذ ساعة
عراق أوبزيرڤر منذ 10 ساعات
وكالة عاجل وبس منذ 4 ساعات
قناة السومرية منذ 8 ساعات
عراق 24 منذ 4 ساعات