«Greenland: Migration».. الكارثة تجربة فلسفية عميقة

علي عبد الرحمن (القاهرة)

في فضاء السينما، حيث غالباً ما تُستدرج الكوارث لتكون مجرد عروض بصرية مبهرة، وانفجارات تزلزل الأرض ومبانٍ تتهاوى في صمت قاتل، ينهض فيلم Greenland: Migration ليُعيد تشكيل هذا التصور الجمالي والدرامي.

الكارثة هنا لا تُرى كحدث صادم فحسب، بل تتحول إلى تجربة فلسفية عميقة، حيث تصبح الهجرة رحلة وجودية كاملة، واختباراً للذات البشرية، وتأملاً في معنى النجاة والوطن والهوية في عالم تنهار فيه الثوابت المألوفة، والفيلم من إخراج الأميركي ريك رومان واجنر، الذي اختار نهجاً سينمائياً وفلسفياً متأملاً في الكارثة الإنسانية. وفي حين ركّز الجزء الأول على الصراع مع الأحداث، يُقدم الجزء الثاني رؤية أكثر نضجاً وعمقاً، حيث يحوّل العدسة من الخارجي إلى الداخلي، من الدمار المادي إلى الدمار النفسي، من السباق مع الزمن إلى سباق الإنسان مع ضميره واختياراته.

ويرى واجنر، أن الكارثة ليست مجرد حدث فيزيائي يمكن قياسه أو تصويره، بل هي اختبار معقّد للقيم الإنسانية، وفرصة للكشف عن العلاقات بين البشر في أقصى حالات الضغط والخوف، ما يجعل النجاة تجربة فلسفية قبل أن تكون جسدية.

مأساة كونية

يحكي الفيلم قصة أسرة أميركية تقف في قلب مأساة كونية، تتألف من «جون غرينوود»، الذي يلعب دوره الأميركي جيرارد باتريك، وزوجته «أماندا غرينوود»، التي تلعب دورها الأميركية إيما روبرتس، وابنهما الصغير «إيثان». وتبدأ الأحداث مع أولى التحذيرات من سقوط شظايا نيزك على الأرض، لكن التركيز لا ينصبُّ على الانفجارات أو الدمار المذهل، بل على التفاعل النفسي العميق للأسرة مع الحدث الكارثي والقرارات التي تتخذها للنجاة.

وتعتمد الكاميرا منظوراً تأملياً يرصد التفاصيل الصغيرة التي تحمل أبعاداً إنسانية وفلسفية: نظرة «إيثان» المتوجس، يد «أماندا» التي تبحث عن يد زوجها، صمت «جون» وهو يزن خياراته بين حماية أسرته أو تقديم المساعدة للغرباء، هذه اللغة البصرية تجعل المشاهد شريكاً في حالة القلق النفسي التي تعيشها الشخصيات، وتطرح سؤالاً جوهرياً: ما معنى النجاة إذا كان البقاء على قيد الحياة لا يضمن الانتصار الأخلاقي أو الذاتي؟

النجاة الأخلاقية

عند مقارنته بالجزء الأول، الذي ركّز على السباق مع الزمن والنجاة الجسدية المباشرة، يُظهر الجزء الثاني اهتماماً واضحاً بالنجاة النفسية والأخلاقية، ففي حين كانت الأحداث في الجزء الأول تتوالى بوتيرة سريعة مع مؤثرات بصرية قوية، يقدِّم الجزء الثاني إيقاعاً أبطأ يسمح بالانغماس في التأمل، ولحظات صمت تشي بالضياع والخوف الوجودي، هذا التغيير في المعالجة منح المخرج مساحة لاستكشاف فلسفة البقاء والهجرة كاختبار للقيم الإنسانية، بدل الاكتفاء بتقديم مغامرة بقاء جسدية مجردة.

وتتميز الشخصيات داخل الفيلم، بتعقيد نفسي وعاطفي بالغ، حيث تتشابك الأبعاد الشخصية مع القرارات الأخلاقية في ظل الكارثة، ويعيش الأب صراعاً داخلياً دائماً بين غريزة حماية أسرته وإحساسه بالمسؤولية تجاه الآخرين، ما يجعله رمزاً للإنسانية في مواجهة الفوضى. أما الأم العقلانية والحازمة، فتواجه خيارات قاسية تصطدم أحياناً بمبادئها، ما يضيف توتراً عاطفياً مستمراً ويكشف صراعات الروح الإنسانية، فيما يتحول ابنهما إلى بوصلة أخلاقية صامتة، يعكس البراءة المفقودة ويذكّر البالغين بالمسؤولية الأخلاقية. أما الشخصيات الثانوية، فتضيف بعداً إضافياً للنظر في مفهوم الانتماء والهجرة، إذ تتقاطع مصائر هؤلاء الناجين مع الأسرة الأميركية، ليطرح الفيلم سؤالاً وجودياً: هل يكون الانتماء للمجموعة أو الحفاظ على الذات الفردية أولوية في مواجهة الكارثة؟

مفهوم الوطن

فلسفياً، يعيد الفيلم التفكير في مفهوم الوطن، متجاوزاً الرؤية التقليدية التي تقيّده بالمكان الجغرافي، ولا يبدو الوطن ثابتاً، بل هشاً ومتحولاً، والهجرة تتحول إلى رحلة مستمرة من حالة يقين إلى حالة شك، ومن مألوف إلى مجهول. كما يقتبس الفيلم من فلسفة جان بول سارتر: «الإنسان محكوم بحرية اختياره، ولكنه في الوقت نفسه معرّض لظروفه التي لم.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاتحاد الإماراتية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الاتحاد الإماراتية

منذ ساعتين
منذ 8 دقائق
منذ ساعتين
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ 37 دقيقة
موقع 24 الرياضي منذ 40 دقيقة
موقع 24 الإخباري منذ 4 ساعات
موقع 24 الإخباري منذ 4 ساعات
الإمارات نيوز منذ ساعتين
الإمارات نيوز منذ 5 ساعات
صحيفة الخليج الإماراتية منذ 5 ساعات
موقع 24 الإخباري منذ 3 ساعات
موقع 24 الإخباري منذ 5 ساعات