في نجاح الدول وصناعة النموذج

كثيرةٌ هي تجارب بناء الدول والمجتمعات، وقليلٌ منها من شقّ طريق النجاح واستطاع صياغة الرؤية الاستراتيجية اللازمة لتحقيق فلسفة البناء والتنمية، لذا لا نستغرب أن يكون النقاش البحثي حول تجارب بناء الدول من أكثر النقاشات ثراءً وغزارةً في حقل الدراسات الاستراتيجية، ليس فقط لأن الأمر بالغ الحيوية، ولكن لأن طريق البناء يستلزم سنوات طويلة وموارد مادية وبشرية هائلة، تجعل من نهج التجربة والخطأ مسألة ذات كلفة باهظة، ناهيك عن تبعات الفشل، أو حتى الأخطاء التي يمكن أن تقع جراء غياب أيٍّ من عناصر وأُسس البناء الناجح للدول.

وقد سألني أحدهم في إحدى زياراتي الخارجية: كيف استطاعت دولة الإمارات أن تصنع نموذجاً ناجحاً وسط محيط إقليمي غارق في الأزمات؟ في ردّي عليه أشرت إلى أسس قيام الدولة الاتحادية، وكيف زاوجت بعبقرية بين بناء الدولة وبناء الإنسان، وكيف حرصت على غرس الأسس والمبادئ القيمية والإنسانية التي تضمن بعداً هوياتيّاً عميقاً للبناء، حتى لا تتقاذفه رياح التطوير، وكأنها كانت تستشرف أن ثمّة سيلاً جارفاً قادماً من العولمة سيأخذ في مجراه كل جذور لم تتشبّث بأصولها، ولم تنمُ وسط حاضنة مجتمعية تحميها من عواقب تيارات التشريق والتغريب التي يفرضها حتماً فتح نوافذ المعرفة، والاحتكاك بأشكاله ومظاهره كافة مع العالم.

بناء الدول يستلزم أساساً قوياً للهياكل التنموية والبنيوية كما للإنسان والهوية الوطنية، والأُطر الناظمة للبناء، أو ما يُطلق عليه «العقد الاجتماعي»، وكل ذلك يستلزم بالأساس رؤية فلسفية تجيب على أسئلة الحاضر والمستقبل، من دون أن تغفل الماضي وتجاربه ودروسه المستفادة، فتجارب بناء الدول يحتاج إلى فكرة/ رؤية جامعة تولد من رحمها كل استراتيجيات النجاح، وخططه التنفيذية اللاحقة، وقد كان القائد المؤسِّس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، من هذه النوعية من بُناة الدول، ولأنه وضع أُسساً قوية لمدرسة متفرّدة في القيادة، فقد استلهم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، نهج الحكم الضامن لاستمرارية صعود النموذج الذي بدأ من قلب الصحراء، ووصل إلى المريخ، وشاع نجاحه، السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والتنموي والاستثماري والعلمي والمعرفي، في كلّ بقاع الأرض.

لا يمكن لفكر عشوائي، أو لخطط غير مدروسة، أو لشطحات بعيدة عن الواقع، وتنطلق من أوهام، أو لأضغاث أحلام لا تُدرك بسبب تعقيدات وحقائق الواقع، أن تُمثّل قيمة مضافة في تجارب بناء الدول، فبناء الدول يرتفع ويعلو على أسس راسخة، ومعلومات دقيقة، ومنظومة هوياتيّة، وثقافية، واقتصادية، ومجتمعية متكاملة تحيط بكل ذلك، لتوفر له بيئة ملائمة للنجاح والتحليق إلى فضاءات التميز والتفرد بين تجارب الدول والأمم والشعوب.

معضلة «التجريب» في بناء الدول وتطورها أن آثارها قد تكون وخيمة وعواقبها قد تمتد لأجيال طويلة، لأنها ليست تجارب مختبرية ذات خسائر مادية وربما بشرية، يمكن تحمُّلها قياساً إلى أهمية الهدف ونُبل الغرض، بل هي بالأساس خُصّصت لأغراض البحث والتجريب، ولكن الأمر يتعلق بحاضر الشعوب ومستقبلها، بكل ما يرتبط بذلك من كلفة اقتصادية، وحسابات سياسية واجتماعية وثقافية.

في السنوات والعقود الأخيرة، لم يَعُد مفهوم الدولة القوية ينطبق فقط على الدولة الأكثر عتاداً وترسانات عسكرية، رغم أهمية ذلك، فقد أثبتت أزمات صحية واقتصادية معولمة، قيمة البناء والتنمية والحصانة والمنعة الوطنية والهوياتية، ومراكمة القوة في مجالات أخرى، ليتسع المفهوم، وليصبح أكثر من مجرد القوة العسكرية، بعد أن انتقلت الأدوار وانتقل النفوذ من ساحات الحروب إلى الاقتصاد والعلوم وبقية ركائز القوة الناعمة للدول.

وفي هذا السياق، يُظهر لنا التاريخ، بل.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاتحاد الإماراتية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الاتحاد الإماراتية

منذ 5 ساعات
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
صحيفة الخليج الإماراتية منذ 56 دقيقة
صحيفة الخليج الإماراتية منذ 14 ساعة
صحيفة الخليج الإماراتية منذ 8 ساعات
أخبار سعادة منذ 6 ساعات
صحيفة الخليج الإماراتية منذ ساعتين
صحيفة الخليج الإماراتية منذ ساعتين
موقع 24 الإخباري منذ 9 ساعات
صحيفة الخليج الإماراتية منذ 12 ساعة