السياسة ليست ما يظهر في البيانات، ولا ما يُقال في المؤتمرات، ولا ما يلمع في التحليلات السريعة. السياسة الحقيقية تعيش تحت السطح، في طبقة باردة لا يقترب منها الجمهور إلا صدفة: طبقة التقدير الصامت للمخاطر، حيث تُقاس الفكرة بقدرتها على البقاء، لا بجمالها. هناك يتكوّن ما يمكن تسميته بعقل الدولة.
هذا العقل لا يشتغل بالعجلة، ولا يتغذّى على التصفيق. يعرف أن الصوت العالي كثيرًا ما يكون ستارًا لارتباك داخلي، وأن الاندفاع حيلة قديمة للهروب من ثقل السؤال. الدولة التي تفكر طويلاً لا تشرح كل خطوة، لأنها تدرك أن كثرة الشرح تعني أن القرار لم يكتمل بعد، وأن الصمت إذا كان مدروسًا يتحول إلى أداة حكم، لا إلى فراغ.
في التجربة السعودية، يظهر عقل الدولة حين تصبح التناقضات مادة يومية للحكم. العالم لا يمنح رفاهية الوضوح. الحليف قد يبتسم وهو يراجع حساباته، والخصم قد يفاوض وهو يجهّز روايته، والمصالح لا تعترف بالعاطفة إلا بوصفها خطأً في التقدير. في هذا المشهد لا يكفي أن تكون محقًا. الأهم أن تكون قادرًا على الاستمرار دون أن تنهار أعصاب الدولة. الثبات هنا ليس عنادًا، هو مهارة احتمالية: القدرة على الوقوف في منطقة رمادية من دون فقدان البوصلة.
الدولة التي لا تحتمل الشك تنهار عند أول اختبار، لأنها تتعامل مع الحكم كأنه يقين أخلاقي. والسعودية تعلمت مبكرًا أن الشك جزء من أدوات الحكم، وأن القرار الناضج لا يولد من الطمأنينة، يولد من القلق. القلق ليس ضعفًا عند الدول الكبرى، القلق هو جهاز إنذارها. القرار الذي لم يمر عبر أسوأ الاحتمالات يصبح قرارًا رومانسيًا، والرومانسية في السياسة تُكلف أحيانًا تاريخًا كاملًا.
لهذا قد تبدو بعض خطوات السعودية بطيئة في نظر من يريد حركة سريعة. هو بطء يشبه بطء من يمشي فوق أرض قابلة للانزلاق: خطوة محسوبة تحمي المسار كله. عقل الدولة يعرف أن القرارات السريعة تُنتج نتائج سريعة، ثم تُنتج فواتير أسرع. يعرف أن بعض العجلة لا تعني شجاعة، تعني نقص معلومات، أو رغبة في إغلاق ملف قبل فهمه.
عقل الدولة لا يثق بسهولة، ولا يعادي بسهولة. يرى البشر كما هم، لا كما يقدّمون أنفسهم في الصور الرسمية. يعرف أن النوايا تتغير، وأن الخطابات تنقلب، وأن التاريخ مكتظ بدول صدّقت أكثر مما ينبغي فدفعت الثمن مضاعفًا. من هنا جاء الحذر، لا بوصفه خوفًا، وإنما بوصفه آلية بقاء. الحذر في قاموس الدول ليس ترددًا، هو اقتصاد في المخاطر: تقليل الخسائر قبل البحث عن المكاسب.
في الداخل، لم يكن التغيير انفجارًا. كان أشبه بعملية جراحية طويلة، مؤلمة أحيانًا، صامتة غالبًا. لأن الدولة التي تغيّر كل شيء دفعة واحدة تخاطر بأن تفقد نفسها قبل أن تجد شكلها.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
