يقدم الخبير في العلاقات الأوروبية العربية لويس بلان، من خلال كتبه الثلاثة، علاقة نابليون وفيكتور هيغو ولامارتين بالإسلام، عبر قراءة متوازنة بعيدة عن الصور النمطية والتفسيرات التبسيطية، ويضيء حلقة مبهمة من رحلة الحوار بين الغرب والشرق. كما يسلّط المؤلف الضوء على الفضول الفكري لهؤلاء العمالقة في التاريخ الفرنسي تجاه الإسلام، مشيراً في الوقت نفسه إلى الأبعاد السياسية والرمزية للمقاربات التي اعتمدها كل واحد منهم في معرفة الإسلام. وفي كتبه الثلاثة، حاول بلان فهم كيفية إدراك هؤلاء للقيم الإسلامية.
فمثلاً كيف استطاع نابليون قراءة الإسلام ومحاولته توظيفه لأغراض سياسية، مع دراسة تأثير هذا اللقاء في تاريخ العلاقات بين فرنسا والعالم الإسلامي، واستطاع أن يشخص تعطش فيكتور هوغو لقيم الإسلام الذي مثّل له مصدراً يروي عطشه الإسكاتولوجي، وموضوعاً للإلهام والتأمل في سعيه المحموم إلى الروحانية.
مراجع تاريخية في الهوامش
معظم كتاباتك التي نشرت أخيراً تتحدث عن علاقة عمالقة التاريخ الفرنسي بالدين الإسلامي، فهل هناك أرشيف تاريخي يؤسس لما كتبته عنهم؟
أنا مؤرّخ، ولذلك فإن كتبي تستند بالكامل إلى مراجع تاريخية مذكورة في الهوامش، ويمكن للقارئ التحقّق منها.
ماذا عن نابليون، الذي رأى في نبي الله محمد (صلى الله عليه وسلم) قدوة للإنسانية عبر العصور، وهل فعلاً استوحى من الإسلام خطاباته أمام جمهوره؟
كان نابليون معجباً بالنبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، الذي كان يعتبره قدوة وما جذبه أكثر هو الإسلام ككل، ولا سيّما لدوره الاجتماعي، ولعقلانيته وتسامحه. يعتقد الكثيرون، أن الخطاب المتعاطف مع الإسلام الذي ألقاه أثناء حملته على مصر كان يهدف إلى استمالة المصريين، وبالتالي لم يكن صادقاً. غير أن البحث التاريخي الذي أجريته يثبت العكس. فمثل أي سياسي، كان يسعى إلى كسب إعجاب جمهوره، ولكن ليس هذا فحسب، إذ وجَّه الخطاب نفسه إلى جنوده وإلى الفرنسيين عبر الصحافة الباريسية. علاوة على ذلك، عبّر عن الأفكار ذاتها عندما كان في منفاه في سانت هيلانة حيث لم يكن هناك مصريون، ولم يكن له أي طموح سياسي بعد ذلك. ومن ثمّ، فقد كان صادقاً في قناعته.
لكنه أراق الكثير من دماء المسلمين.
يُقال إنه قتل كثيراً من المسلمين، وهذا صحيح، لكنه قتل عدداً أكبر من المسيحيين. لقد أراد نابليون التوفيق بين كاثوليكية مفروضة وإسلام مختار. فهل كان مسلماً صالحاً؟ أترك لكلٍّ حرية الإجابة عن هذا السؤال.
فيكتور هوغو لم ينتمِ إلى أي دين
هل أشهر نابليون ولامارتين وفيكتور هيغو إسلامهم، ولماذا لا يتحدث الوسط الثقافي الفرنسي عن ذلك؟
لم يرغب فيكتور هوغو يوماً في الانتماء إلى أيّ دين، رغم افتتانه بالنبيّ محمد (صلى الله عليه وسلم). أمّا لامارتين، فكان كاثوليكياً متديناً، لكنه طبق روحانيّة الإسلام على نفسه، ولهذا السبب أصفه بـ«الكاثوليكي المسلم». أعلن نابوليون إسلامه في أكثر من مناسبة، وأضاف، أنّ «الإسلام هو أجمل الديانات». لكنه لم يتخلَّ قط عن الكاثوليكية التي تربّى عليها، لأنه كان يعتبر أنّ على رئيس الدولة أن يعتنق دين شعبه. عموماً، لم يشأ الفرنسيون الاعتراف بأنّ هؤلاء الرجال الثلاثة المشهورين كانوا من محبي الإسلام أو حتى مسلمين. هناك إنكار عام للواقع، واعٍ أم غير واعٍ، مرتبط بالإسلاموفوبيا الموروثة من الحقبة الاستعمارية. لقد أهملت دراسة الأدب الفرنسي المكانة التي يحتلها الإسلام فيه، وكان الاستعمار الفرنسي للجزائر هو السبب الرئيسي في ذلك. فقد ميّزت السلطات الفرنسية قانونياً بين المستوطنين والأهالي، وجعلت من الدين الإسلامي عِرقاً قائماً بذاته. وبهذا أسست لرُهابٍ موروث من العصور الوسطى، فالأدب الفرنسي الكلاسيكي مشبع بالإسلام، لكنه غير مرئي في الدراسات النقدية لهذا الأدب.
فكرة كون الأدب الفرنسي مشبعاً بالإسلام كانت أمراً يناقض البنية الفكرية القائمة، لذلك تمّ إخفاء هذه الحقيقة بشكل غير واعٍ لتدعيم الهيمنة الاستعمارية. ولم يُدرك ذلك إلا بعد مرور زمنٍ طويل على انتهاء الاستعمار، وما يطفو اليوم من موجة الإسلاموفوبيا التي تجتاح أوروبا ليس سوى استمرار لرفض الاعتراف بالجانب العربي والإسلامي في ثقافتها، وهو جانب أقدم بكثير من موجات الهجرة الكبرى في القرن العشرين.
لكن ألا يعتبر هذا التفافاً على حقائق تاريخية تتعلق بشخصيات أثرت حوارات الحضارات بما قدمته عن الإسلام؟
فيكتور هوغو ولامارتين ونابوليون هم ضحايا هذه المسيرة التاريخية، ويمكن للمسلمين الفرنسيين اليوم أن يفخروا بأنّ أعظم الكتّاب الفرنسيين قد احترموا النبيّ محمد (صلى الله عليه وسلم)، والأهم هو تقدير ما قدّموه من إسهام في تعزيز الأخوّة بين الشرق والغرب. إن هذا الإرث المنسي أو المُغفل يجعل منهم ترياقاً فريداً ضد ما يُسمّى «صدام الحضارات» الذي ليس في الحقيقة سوى صدام الجهل.
سنواتي الاستثنائية في جدة
عندما تكتب عن المملكة العربية السعودية نشعر وكأن هناك حنيناً لأيامك التي عشتها بجدة.. هل هذا الانطباع صحيح؟
قضيتُ أربع سنوات استثنائية في جدة، وأعتبر أن الكتب الستة التي كتبتها عن السعودية بعد إقامتي هناك هي بمثابة سدادٍ للدين الذي عقدته نتيجة الاستقبال الذي حظيتُ به. إن الفرنسيين والسعوديين يجهلون الماضي الذي يجمعهم. وكان هدفي الأول إعادة اكتشاف وشرح الكتابات والأيقونات الفرنسية عن الجزيرة العربية منذ القرن الثامن عشر، وهي غاية في الغنى والتنوّع. كما سعيتُ إلى تقديم صورة عن السعودية المعاصرة للجمهور الفرنسي، الذي يجهلها إلى حدٍّ كبير، من أجل التقريب بين الشعبين. أركز اهتمامي على الثقافة، لأنها السبيل الأمثل لفهم البلدان. يعرف السعوديون فرنسا معرفةً أفضل بكثير مما يعرف.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة عكاظ
