هناك تهاني رمضانَ، تُقَال كالعُرفِ: كلماتٌ تمضِي وتُؤدَّى. وهناك تهنئةٌ تأتيك كوقفةٍ تُراجع فيها العالمَ قبل أنْ تُراجع ذاتكَ. هذا العام، وأنا أفتِّشُ عن نبرةٍ لا تُجامِلُ زمنًا مُتعبًا، وجدتُ السَّماءَ نفسها تُقدِّم لغةً جاهزةً للتَّأمُّلِ: خاتمٌ من نارٍ في كسوفٍ حلقيٍّ، وتقويمٌ آخرُ في الشَّرق الصينيِّ يفتحُ بابًا على عام «الحصان النَّاري»، عام التَّغيير السَّريع، وفي الغرب «أربعاء الرَّماد» يعلن بدءَ الصومِ الكبيرِ. تلاقت المقاماتُ في هذه الأيَّام: نارٌ في السَّماء، ورمادٌ على الجبهةِ، وصومٌ علَى الأرضِ! فقلتُ: لعلَّها ليست مصادفةً تقويميَّةً، بل إشارةٌ إلى أنَّ الضَّبط صار أندرَ من الكلامِ.
وأطروحتِي هنا بسيطةٌ: رمضانُ ليسَ موسمَ تهنئةٍ فقط، بل مدرسةٌ للتَّرقِّي بالكبح. والعصر الذي نعيشُه عصرُ سرعةٍ بلا لجامٍ في التقنيةِ، وفي السياسةِ، وفي الأخلاقِ، وفي المجتمعِ. ومَن لا يتعلَّمُ منَّا ضبط نفسه، يصعبُ عليه أنْ يدافعَ عن حاكميَّة عقلهِ وقلبهِ حين تُكتب السُّلطة في الطبقاتِ لا في الشعاراتِ.
ثُمَّ، وهنا المفارقةُ التي أوقفتنِي، أنَّني وسط هذا الثِّقل الكونيِّ والرُّوحيِّ، وجدتُنِي أتذكَّرُ اليوم العالميَّ للفطائر (Pancake Day). ليس لأنَّ العالمَ صار خفيفًا، بل لأنَّ العقلَ حين يضيقُ يلتقطُ تفصيلةً ساخرةً؛ ليشرح بها معنًى كبيرًا. الفطائرُ الدائريَّةُ النَّحيفةُ تُرصُّ فوقَ بعضها: طبقاتٌ من العجينِ الحلوِ. وفجأةً قلتُ لنفسي: هذه أوَّل مرَّة أجدُ فيها تشبيهًا بسيطًا يشرحُ للنَّاس معنى "الستاك" بلا تنظير: طبقاتٌ فوقَ طبقاتٍ، كلُّ واحدةٍ تُخفي التي تحتها، وتكشفُ التي فوقَها، ومع ذلك كلُّها تُؤكَلُ في لقمةٍ واحدةٍ.
لكنَّ "الستاك" الذي أقصدُه ليس مطبخًا، إِنَّما هو طبقاتُ الذَّكاءِ الاصطناعيِّ: الشَّرائح، مراكز البيانات، النماذج اللُّغويَّة، الخوارزميَّات، المنصَّات، والتَّطبيقات. كلُّ طبقةٍ تُعيدُ تعريفَ السُّلطة بغير اسمها. وهنا انتقلتُ من مزاح الفطائرِ إلى سؤالٍ أثقلَ: إذا كان هذا هو حال ستاك الذَّكاءِ الاصطناعيِّ عالميًّا، فماذا عن الستاكِ العربيِّ والإسلاميِّ؟ نموذجِنا اللُّغويِّ؟ ثقافتِنَا؟ فقهِنَا؟ مَن يحملُ القيادةَ الأخلاقيَّةَ والتَّنظيميَّةَ والتقنيَّةَ؟ مَن يُمسكُ لجامَ السُّرعة قبل أنْ تدهسنَا السُّرعةُ باسم التقدُّم؟ وربَّما كانت الإشارةُ القرآنيَّةُ إعجازًا أدقَّ من الوصفِ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾.
من هنا جاء الجوابُ عندي، لا كشعارٍ وطنيٍّ، بل كوظيفةٍ حضاريَّة: المملكة العربيَّة السعوديَّة -والحمد لله- بلادُ «عقيدة إدارة المراحل»، ليست مطالَبةً بأنْ ترفع الرَّاية وحدها، بل بأنْ تحملَ في ميزان الأُمم رايةً ونموذجًا. كيف تُدار المرحلة حين تتسارع الأدواتُ، وتتباطأ القِيمُ؟ كيف نُثبِّت عمودًا فقريًّا لحوكمةِ التقنيةِ لا يجعلنَا.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة المدينة
