كثيرة هي التقارير التي تناولت «رؤية السعودية 2030» في سنواتها العشر الأولى، سواء لجهة الإضاءة على إنجازاتها المحققة، أو أحياناً، لجهة التشكيك في قابلية الأهداف المعلنة -أو بعضها- للتحقق. إلا أن ما حملته الأسابيع الأخيرة من تصريحات رسمية وغير رسمية بشأن إعادة ترتيبات الأولويات وترشيد الإنفاق، يدعو أي مراقب إلى التدقيق أكثر في السردية ككل، وإعادة النظر في كل ما طُرح حتى الآن، للخروج باستنتاجات عملية ومنطقية بشأن هذه الرؤية وأهدافها، ومدى اتساقها مع قيود التنفيذ والتمويل عبر الزمن.
منذ إطلاقها عام 2016، تمحورت «رؤية 2030» بحسب النبذة التعريفية المنشورة على موقعها الإلكتروني الرسمي، حول ثلاثة محاور رئيسية: مجتمع حيوي، اقتصاد مزدهر، وطن طموح. ومن البديهي مع وجود مثل هذه المحاور أن تتداخل فيما بينها منذ اللحظة الأولى، بحيث يتأثر أحدها سلباً أو إيجاباً بمنجزات أو اختلالات أي من المحورين الآخرين، خصوصاً عندما يكون التنفيذ متزامناً وعلى نطاق واسع.
مهما تكن عليه الصورة اليوم ونحن على أبواب الاحتفال بمرور 10 سنوات كاملة على إطلاق الرؤية، فإن الحكم على الجهود المبذولة حتى الآن بـ«الفشل المطلق» أو «النجاح التام»، يظل أمراً مجحفاً وغير دقيق إذا ما أردنا تقييماً موضوعياً لهذه التجربة. فوجود إخفاقات لا ينفي وجود نجاحات فعلية مقابلة، كما أن أي نجاح لا يعني بالضرورة إمكانية تجاوز الإخفاقات دون الوقوف عند مسبباتها والتحديات التي أوجدتها، لا سيما تلك المتعلقة بسعة الاقتصاد وقدرته التنفيذية وبنية سوق العمل.
أكثر ما يُعاب على «رؤية المملكة 2030»، على الأقل من وجهة نظر التقارير الغربية التي تصوب سهامها إليها، هو «الإفراط في التفاؤل»، وكذلك المبالغة في تقدير السرعة الممكنة للإنجاز. وفي هذا السياق، لا ضير في الاعتراف بأن كثيراً مما يُقال في هذا الشأن غالباً ما يكون مُحقاً، على الأقل من زاوية «الجدولة الواقعية» لا من زاوية الفكرة أو الاتجاه العام.
كيف ذلك؟
عندما أطلقت السعودية رؤيتها الطموحة، بدا واضحاً أنها قررت كسر نمط تاريخي طويل من الاعتماد على النفط، والتحوّل إلى اقتصاد أكثر تنوعاً وحيوية. وبالفعل، شهدت سنوات التنفيذ تغييرات ملموسة، سواء لجهة الإصلاحات التشريعية، أو التوسع في قطاعات الترفيه والسياحة، وكذلك النمو في بعض الإيرادات غير النفطية، فضلاً عن التحوّل الاجتماعي المتسارع. غير أنه مع مرور الوقت، بدأت الأمور تبدو أكثر تعقيداً، مع «اصطدام» خطط التنويع الاقتصادي بحدود الواقع، ليس بسبب خطأ في الفكرة نفسها، بل لأن التفاؤل في تصميمها تجاوز المعطيات الواقعية المتعلقة بالاقتصاد، والقدرات التنفيذية، وزمن التحول المطلوب - أي أن التحدي لم يعد «اتجاه السياسات» بقدر ما أصبح «إيقاع التنفيذ» و«كلفة التنفيذ» و«قدرة السوق على الاستيعاب».
تفاؤل أكبر من قدرة الاقتصاد على الاستيعاب
أهم ما يميز مشروع التحوّل هذا، هو حجم الطموح وليس الطموح بحد ذاته. فالمملكة لم تكتفِ بوضع أهداف إصلاحية تدريجية، بل اختارت نموذجاً يقوم على «قفزات كبرى» يجري تنفيذها بسرعة. وقد شملت هذه القفزات إطلاق مشروعات عملاقة (Gigaprojects) بمقاييس عالمية، مع توقع أن تتحوّل خلال سنوات قليلة إلى محركات نمو بديلة للنفط، وأن توفّر أعداداً كبيرة من الوظائف، وتستقطب استثمارات عالمية بمستويات غير مسبوقة، مع افتراض ضمني بأن تدفقات رأس المال والمهارات وسلاسل الإمداد ستواكب سرعة الإعلان والإنشاء.
لكن المشكلة كانت في الافتراض الضمني والمسبق بأنّ الاقتصاد السعودي قادر على استيعاب هذا الحجم من الإنفاق والتوسّع دون أن تظهر اختناقات في الموارد، وسوق العمل، وسلاسل الإمداد، وتكاليف التنفيذ، كندرة المقاولين ذوي الكفاءة، ونقص مواد البناء وأصحاب المهارات، وغير ذلك. والنتيجة كانت مع توسّع الاقتصاد بسرعة أكبر من قدرة السوق على التكيّف، ظهور تضخم متزايد في التكاليف، وتأخير في وتيرة الإنجاز، وأخيراً، إعادة ترتيب الأولويات، وهو ما يكثر عنه الحديث اليوم وأكد عليه فعلاً وزير الاستثمار السعودي السابق خالد الفالح خلال منتدى صندوق الاستثمارات العامة والقطاع الخاص في الرياض الشهر الجاري، عندما تحدث قبل أيام من إعفائه من منصبه عن ظهور بعض الأولويات الجديدة في المملكة وانخفاض جدوى بعض المشروعات. كل ذلك أدى بحسب الفالح إلى إبطاء بعض المشروعات وتسريع بعضها، بما يعكس انتقالاً من «التنفيذ المتوازي واسع النطاق» إلى «الانتقاء والجدولة» وفقاً للعائد والقدرة التنفيذية.
رمزية المشروعات العملاقة.. وجدواها
في ما يخص المشروعات العملاقة التي لحظتها «رؤية المملكة»، مثل «نيوم»، و«ذا لاين»، و«مشروع البحر الأحمر»، و«القدية» وغيرها، كان لافتاً منذ البداية التركيز بشكل خاص على «الرمزية»، أي رمزية هذه المشروعات.. فقد قُدّمت بوصفها «اقتصاد المستقبل» الذي سيأخذ تدريجياً مكان النفط. إلا أن الثابت حتى اليوم، هو أن الكثير من هذه المشروعات لا يزال في طور البناء، أو إعادة التقييم، فيما العوائد الاقتصادية الملموسة لم تظهر بعد بالحجم الذي يتناسب مع حجم الضخ المالي والإعلامي الذي رافقها، أو على الأقل لم تصل إلى مستوى «الوضوح القياسي» الذي يسمح بربطها رقمياً وبشكل مباشر بحجم الإنفاق المُعلن، خصوصاً مع اختلاف مراحل التنفيذ بين مشروع وآخر.
وزير سعودي ينصح صندوق الاستثمارات العامة بخفض إنفاقه داخل المملكة
هنا يبرز التحدي الأكبر في مشروعات الرؤية، وهو ليس تقنياً، بل اقتصادياً في جوهره. إذ كيف يمكن لمشروعات عقارية وسياحية وترفيهية، مهما كانت ضخمة، أن تُنتج قاعدة إنتاجية متنوعة تُنافس النفط من حيث توليد الدخل «السيادي»؟ والسؤال هنا ليس عن الحجم، بل عن نوع العائد: هل تتحول هذه المشروعات إلى محركات «قابلة للتصدير» وتولد قيمة مضافة عالية وإيرادات متكررة، أم أنها ستبقى في جانبها الأكبر إنفاقاً محلياً واسع النطاق؟
على الرغم من أن هذا السؤال لم تظهر له إجابة صريحة ومقنعة بعد، فإن ما يُثبت النجاح ليس إطلاق المشروعات، بل تحويل هذه المشروعات إلى قطاعات ذات إنتاجية عالية، وتنافسية عالمية، وعائد مستدام. ويمكن اختبار ذلك عملياً عبر ثلاثة أسئلة قياسية: هل تولّد المشروعات تدفقات نقدية تشغيلية قابلة للاستدامة؟ وهل ستتمكن من زيادة الصادرات غير النفطية أو صادرات الخدمات؟ وهل يتجاوز عائدها تكلفة رأس المال والتمويل؟
الاعتماد على النفط مستمر رغم كل شيء
المسألة المهمة واللافتة التي تركز عليها معظم المتابعات لخطة التحوّل السعودية، هي استمرار الاعتماد على النفط في تمويل عملية تحوّل تستهدف بالأصل تقليل الاعتماد على النفط. أي بمعنى آخر، كيف يمكن للمملكة أن تستمر في الاعتماد على النفط باعتباره «الوقود المالي» للمشروعات التي يُفترض أنها هي التي ستقلل الاعتماد على عائدات النفط، من دون معرفة ما إذا كان الاستثمار يخلق عائداً أعلى من تكلفة رأس المال، وما إذا كان مجرد إنفاق محلي لا يبني قاعدة تصديرية مثلاً. هذه المعادلة لا تُحسم بالشعارات، بل بمؤشرات كفاءة رأس المال، أي: العائد مقابل كلفة التمويل - والقدرة على توليد إيرادات مستقلة عن النفط - وسرعة تحوّل المشروعات من مرحلة «الإنشاء» إلى مرحلة «التشغيل التجاري».
هذه معضلة هيكلية بامتياز، وتتفاقم حدّتها كلما تراجعت أسعار النفط أو ضاقت هوامش الإيرادات. إذ في مثل هذه الحالة، تتحوّل «الرؤية» من «برنامج تنموي» إلى «برنامج مكلف يحتاج إلى تمويل مستمر»، لتجد الدولة نفسها مضطرة إلى البحث عن مصادر بديلة كالضرائب والرسوم والاقتراض، ما يُفضي إلى ضغوط اجتماعية واقتصادية قد تُضعف الزخم الشعبي وتُعيق مسيرة التحوّل ذاتها.
رجل بالزي السعودي يمر أمام شعار «رؤية 2030» بعد مؤتمر صحفي في مدينة جدة، يوم 7 يونيو 2016
سوق العمل: الإنجاز الحقيقي لم يحدث بعد
قد تكون سوق العمل هي المحور الأهم في خطة التحوّل، إذ إن التنويع الاقتصادي لا يقتصر على تغيير شكل المدن أو زيادة عدد الفعاليات، بل يصل إلى حدّ إحداث تحوّل جوهري في طبيعة سوق العمل والإنتاجية ومسار تراكم المهارات.
جدير بالذكر في هذا السياق، أن السعودية حققت بالفعل تقدماً في توظيف النساء اللواتي وصلت نسبة مشاركتهن في سوق العمل إلى نحو 35% خلال فترة تنفيذ الرؤية، كما نجحت في تقليل البطالة بين السعوديين إلى 7.5% في الربع الثالث من 2025، وهذا فضلاً عن زيادة وتوسيع فرص العمل في قطاعات الخدمات. لكن، لا يزال هناك تحد كبير يتمثل في أن جزءاً كبيراً من الوظائف الجديدة، يتركز في قطاعات خدماتية واسعة، بينما القطاعات التي تصنع «اقتصاداً غير نفطي» قوياً، مثل التكنولوجيا المتقدمة، والتصنيع النوعي، والخدمات المالية عالية القيمة، لا تزال تحتاج إلى سنوات طويلة لبناء قاعدة بشرية وطنية قادرة على تشغيلها ورفع متوسط الإنتاجية والأجور والقيمة المضافة.
السعودية تسعى إلى رفع الاستثمارات الأجنبية لدعم رؤية 2030
من هنا، تتأكد مقولة إن التفاؤل كان مبالغاً فيه. لقد جرى وضع واعتماد الخطط بناء على اعتقاد بأن تطوير المهارات البشرية يمكن أن يحدث بسرعة مماثلة لسرعة بناء الأبراج أو إنشاء المدن الجديدة، بينما الحقيقة هي أن بناء رأس المال البشري يعتبر أبطأ عنصر في أيّ تحوّل اقتصادي. فالتشييد قد يقاس بالسنوات، أما التحول في المهارات والإنتاجية فيُقاس غالباً بجيل تعليمي وسوقي كامل.
الاستعداد للتكيف: أكبر من مجرّد تعديل مسار
في ضوء كل ما سبق، ربما يكون من الأجدر بمتابعي عملية التحوّل السعودية، عدم تقييم الإعلان عن إعادة ترتيب الأولويات باعتباره اعترافاً بأن هناك تعثراً أو فشلاً، بل يجب النظر إليه على أنه تريّث ونضج في إدارة مشروع بهذا الحجم والتعقيد. فالمملكة تؤكد من خلال إعلانها الصريح عن «تغيّر الأولويات وترشيد الإنفاق»، أنها باتت أكثر موضوعية في مقاربة الواقع، وأنها لم تعد محكومة بما وُصف يوماً بـ«التفاؤل المفرط». هذا في حد ذاته تحوّل إيجابي يستحق التسجيل. ومع ذلك، فإن الاختبار الحقيقي لم يبدأ بعد، وسيتمحور في المرحلة المقبلة بالضرورة حول الانتقال من منطق «التوسع المتزامن»، إلى منطق الانتقائية والجدولة وربط التنفيذ بقياس العائد.
باختصار، ليس المهم حجم ما تم الإعلان عنه أو التراجع عنه اليوم، بل طريقة التكيّف مع نتائج السنوات العشر المنصرمة، وكيفية إعادة بناء الأولويات على أسس أكثر واقعية وبأُفق زمني أطول. أما المراقب الموضوعي لهذه التجربة، فستظل عيناه مفتوحتين على مرحلة ما بعد التقييم، والتي قد تكون الأهم في تاريخ «رؤية 2030».
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

