مصدر الصورة: MBC MASR
منذ عام 2011، يحتلّ اسم رامز جلال صدارة الموسم الرمضاني، إذ يحجز برنامجه الذي تحوّل إلى تقليدٍ سنوي، وقت الذروة في جدول العروض التلفزيونية المتنافسة على انتباه المشاهدين.
في كل عام، تعرض "إم بي سي مصر" برنامج رامز في وقت الإفطار، في معاملة تذكّر بالمكانة التي كانت تحظى بها برامج الفوازير في الثمانينيات والتسعينيات على القنوات الحكومية المصرية.
بدءاً من "رامز قلب الأسد" و"رامز ثعلب الصحراء" ثم "رامز عنخ آمون"، إلى و"رامز نيفر إند" وغيرها، وصولاً إلى "رامز ليفل الوحش" هذا العام، تتغيّر العناوين وثيمة البرنامج وأماكن التصوير والممثلين، لكن الصيغة الأساسية تبقى ثابتة: ضيفٌ مشهور (لا ضرر في إهانته في أحيانٍ كثيرة)، مقلبٌ يتصاعد تدريجياً، لحظات فوضى وذعر وصراخ مكثّفة، ثم كشف "الحقيقة" في نهاية الحلقة، إلى جانب توجيه الشكر لرئيس هيئة الترفيه السعودية تركي آل الشيخ في بداية الحلقات.
على مدى ما يقارب عقداً ونصف العقد، تحوّل "برنامج رامز" إلى عنصرٍ ثابت في طقوس المشاهدة الرمضانية، يُنتظر سنوياً كما تُنتظر المسلسلات الكبرى، وتُنسج حوله الفرضيات والشائعات، والنكات والميمز. ومع ذلك، يرافقه رأيٌ يكاد يكون ثابتاً منذ سنواته الأولى، وأخذ يترسّخ عاماً بعد عام بأنّ المقالب غير حقيقية.
ولكن، برغم اقتناع شريحة واسعة من المشاهدين بهذه الفكرة، لا يزال البرنامج يحظى بشعبية تضمن له حضوره السنوي في وقت الذروة. فما هي الأسباب الممكنة خلف الحياة الطويلة لهذا البرنامج؟
ألفة طقوسية على الرغم من أنّ إيقاعه المرتفع وصوته الصاخب قد يثيران انزعاج كثيرين، يظلّ برنامج رامز جلال السنوي حاضراً في خلفية مائدة الإفطار.
ولا يمكن فهم استمراريته من دون وضعه ضمن الإيقاع الخاص بشهر رمضان، إذ شكّل التلفزيون تاريخياً جزءاً أساسياً من طقوس هذا الشهر اليومية. وبين لحظة الإفطار واجتماع العائلة، يحضر المحتوى التلفزيوني بوصفه امتداداً للمشهد الاجتماعي.
في هذا السياق، يُستقبل برنامج رامز كل عام بصيغة مألوفة تعود بثوب مختلف؛ يتغيّر العنوان وتتبدّل تفاصيل التنفيذ، بينما يبقى الإطار العام معروفاً سلفاً.
ويمنح هذا التوقّع المسبق العمل قدراً من الطمأنينة. ففي شهر يقوم على الطقوس الثابتة، من الصيام إلى الصلوات والتجمّعات العائلية، تصبح الصيغ الإعلامية التي تتجدّد سنوياً جزءاً من البنية الزمنية للشهر وعلامة من علاماته المميّزة.
وهنا يبرز سؤال أساسي: أين تتجلّى شعبية هذا البرنامج على نحو أوضح؟ هل في أرقام المشاهدة التلفزيونية أم في نسب المتابعة الرقمية عبر منصة "شاهد"؟ وهل يقصد عدد كبير من المشاهدين متابعة حلقاته كما يتابعون المسلسلات، أم أنّه يوضع غالباً بوصفه ضجيجاً خلفياً يرافق الإفطار، وجزءاً من المشهد العائلي أكثر من كونه محتوى يتطلب التركيز الكامل؟
المشاهدة "بدافع الكراهية" يتكرّر كل عام جدل بات مألوفاً، وأصبح بدوره جزءاً من الطقوس التي تبدأ مع اليوم الأول من شهر رمضان.
فكثيرون على مواقع التواصل يعلنون مللهم، بل استياءهم، من نمط البرنامج وتكراره، فيما يشكّك آخرون في مصداقيته أو ينتقدون حدوده الأخلاقية في طريقة التعامل مع الضحية المفترضة ومخاطبتها.
وقد مثّلت الحلقة الأولى من الموسم الحالي نموذجاً على هذه الإشكاليات، إذ إنّ الكلام والإيحاءات الموجّهة إلى ضيفة الحلقة، الممثلة أسماء جلال، لامست في أحيان كثيرة حدود التحرّش، بحسب ما أشار إليه عدد من المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي. ومع ذلك كله، يواصل الجمهور مشاهدته.
ويعرف هذا النمط من المتابعة بما يُسمّى "الهيت ووتشينغ" (Hate-watching)، أي متابعة المحتوى لا بدافع الإعجاب، بل بدافع الرفض أو السخرية، حيث يتحوّل النقد والاستياء إلى شكل من أشكال المشاركة الفعلية التي تسهم، أحياناً من دون قصد، في تعزيز حضور المحتوى بدل إضعافه.
فما إن تُعرض الحلقة حتى تبدأ مقاطعها بالانتشار خلال دقائق على منصّات التواصل الاجتماعي، ويتحوّل ما يبدو ظاهرياً رفضاً أو انتقاداً إلى وقود إضافي لدورة الانتشار.
وفي اقتصاد الفضاء الرقمي، لا يُعدّ الاستياء بالضرورة مؤشراً سلبياً بالنسبة للمُنتَج؛ بل قد يكون الغضب والسخرية من أكثر أشكال التفاعل إنتاجاً للظهور.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال أقل ارتباطاً بما إذا كان الجمهور يحبّ البرنامج أو يرفضه، وأكثر ارتباطاً بمدى تفاعله معه. فالمشاركة، أيّاً كان نوعها، هي ما يضمن البقاء في واجهة المشهد.
تعليقٌ مؤقت للهرميّة في كل حلقة، توضع شخصية عامة داخل سيناريو مُحكم الإعداد، صُمّم لإثارة الخوف أو الذعر. تصرخ، وتشتم، وتتوسّل، وتحاول التفاوض وتطلب النجدة.
نرى النجم أو النجمة في أوضاع قد لا نكون شهدناها لهم من قبل في السينما أو الدراما.
إهانة و"بهدلة" تُخرجان الشخصية المشهورة من المنطقة التي تقيم فيها عادة، تلك التي تمنحها حصانة نادراً ما تُنتزع. لذلك ينطوي هذا المشهد على عنصر جذب أساسي يتمثل في اهتزاز، ولو مؤقت، للهرمية الاجتماعية.
فالشخصيات التي اعتاد الجمهور رؤيتها في صورة واثقة ومضبوطة، ضمن حضور عام مُصمَّم بعناية، تتحوّل فجأة إلى أجساد منفعلة ومكشوفة. عندئذٍ يتلاشى.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من بي بي سي عربي
