الهنداوي يبعث رسالة الى ذوقان : أيُّ بُنَيّ سرديّتي الأردنيّة #عمون

الرئيسية كتاب عمون

xxx

الهنداوي يبعث رسالة الى ذوقان : أيُّ بُنَيّ سرديّتي الأردنيّة

د. أحمد ذوقان الهنداوي أيُّ بُنَيّ... ذوقان

لا تُقاس الأوطان فقط بمساحتها، ولا تُعرَّف بقوتها العسكرية أو بمواردها الطبيعية وحدها، بل تُعرف، قبل كل شيء، بسرديّتها... تُعرف بالقصة التي ترويها عن نفسها، وتُورِّثها من جيل إلى جيل، لتقول لأبنائها: من نحن؟ وكيف كنا؟ ولماذا بقينا؟... الأردن، يا بُنيّ، ليس وطنًا طارئًا على التاريخ، ولا كيانًا وُلد صدفة على خرائط المنتصرين، بل هو حكاية ممتدة، كتبت فصولها الأرض والإنسان، الحضارة والرسالة، العشيرة والدولة، الدم والصبر، والانتماء الذي لم ينكسر.

قد تكون سمعتَ مني بعض هذه الحكاية، وقد يكون جَدُّك وسَميُّك، قد قصّ عليك جزءًا منها، وربما قرأتَ شذرات متفرقة في كتاب مدرسي أو مقال أو محاضرة عابرة لكنني أردت، في هذه المحاولة المتواضعة، أن أجمعها لك في سردٍ واحد، سردٍ لا يدّعي الإحاطة الكاملة، ولا يزعم امتلاك الحقيقة المطلقة، بل يقدّم رؤيتي كأردني، وابن عشيرة، وابن هذا التراب، وأبٍ يخشى أن تضيع القصة إذا لم تُروَ كما يجب أو ممن لا يجب.

أكتب إليك هذه السرديّة، رسالةً طويلة ولكن لا محاضرة، وحكايةً مفصلة لا درسًا تاريخيًا جامدًا، بل نصًا يحاول أن يجمع بين الشمول والبساطة، وبين الدقّة والوجدان، وبين التاريخ كما كُتب، والذاكرة كما عاشت في صدور الرجال الذين صنعوا الأردن.

سأحدّثك، يا بُنيّ، عن الأردن منذ أن كان مهدًا للحضارة الإنسانية، قبل أن تُعرف الحدود، وقبل أن تُرفع الرايات،

وقبل أن تُصاغ الأسماء الحديثة. سأحدّثك عن أرضٍ عرفت الزراعة والخبز قبل أن يعرفهما كثيرون، وعرفت التجارة والعبور والاستقرار، وعرفت الإنسان قبل أن يعرف الإنسان معنى الوطن. ثم سأمضي معك إلى الأردن مهد الرسالات، أرض الأنبياء، وأرض الوعد الإلهي، وأرض الذكر في القرآن والسنة، حيث مرّ إبراهيم، وكلم الله موسى، وبشّر عيسى، وخُتمت الرسالة بمحمد، عليهم جميعًا السلام. وسنقف طويلًا، لأن الوقوف واجب، عند العشائر الأردنية، لا بوصفها مجرد انتماء اجتماعي، بل بوصفها حامل الهوية، وعمود الاستقلال، وظهير الدولة. سنروي كيف قاومت الظلم، وكيف رفضت التبعية، وكيف صنعت السياسة قبل أن تُنشأ الوزارات، وكيف دفعت أثمانًا باهظة من الدم والنفي والسجون، كي يولد الأردن حرًّا. سأقصّ عليك حكاية الاستقلال، لا كما تُختصر في تاريخ رسمي، بل كما عاشها الرجال الذين وقّعوا الوثائق، وتحدّوا الانتداب، وشكّلوا الحكومات رغم السلاسل، ودفعوا ثمن مواقفهم إعدامًا ومنفىً وتشريدًا، ثم عادوا وأبناؤهم وأحفادهم ليبنوا الدولة بدل أن ينتقموا. وسأمشي معك في رحلة الدولة الحديثة، من التأسيس، إلى الحروب، إلى بناء المؤسسات، إلى صلابة الأردن في وجه العواصف، حتى نصل إلى حاضرنا، إلى الأردن الذي نعيش فيه اليوم، بإنجازاته وتحدياته، بقيادته، وبجيلك أنت...

أي بُنيّ

أكتب هذا النص لأنني أؤمن أن من لا يملك سرديّته، يسرق الآخرون تاريخه، ومن لا يروي قصته لأبنائه،

سيجد أبناءه يصدّقون روايات غيرهم، ممن كان صادقا أمينا ومنتميا، ويسرد جزءا منها تحتاج لتكملة، وهو أمر طبيعي ومقبول، أو روايات بعض آخر ممن قد يكون جاهلا أو فاسدا أو انتهازيا متلونا أو مهرجا. لا يملك نفسه أصلا أو سردية، فإذا به ينتطح لرواية سردية وطن!!!

أكتبه لك بني لتعرف أن الأردن لم يكن يومًا عبئًا على أهله، ولا صدقة من أحد، بل أمانة حملها الأردنيون، وحافظوا عليها، وسلّموها جيلًا بعد جيل. هذه ليست قصة ماضٍ انتهى، بل قصة وطن ما زال يُكتب وها أنا، يا ذوقان، أضعها بين يديك، لتقرأها، وتحفظها، وتُكملها

أيُّ بُنَيّ ذوقان

حين نعود إلى تاريخ الأردن، فإننا لا نعود إلى بداية دولة، بل إلى بداية الإنسان نفسه. فالأردن، يا بُنيّ، ليس صفحة في كتاب التاريخ، بل فصلٌ من كتاب الحضارة الإنسانية... فمنذ أن بدأ الإنسان يبحث عن مكانٍ آمنٍ ليستقرّ فيه، ألاف السنوات قبل الميلاد، كانت هضاب ووديان شرق الأردن من أول الأماكن التي احتضنته. في عين غزال، لا نجد مجرد موقع أثري، بل نجد ثورة حضارية صامتة، انتقال الإنسان من الصيد إلى الزراعة، من الترحال إلى الاستقرار، من الكهف إلى القرية. التماثيل الجصّية ذات الوجوه المحدّقة، برأس واحد وذات الرأسين، والتي تعود لأكثر من تسعة آلاف عام، هي أقدم تعبير فني عن وعي الإنسان بذاته. هنا، تعلّم الإنسان، زراعة القمح والشعير، تخزين الغذاء، صناعة الخبز، تنظيم المجتمع، وهنا بدأت فكرة الوطن، حتى قبل أن تُعرف الكلمة.

ومع تطوّر المجتمعات، قبل الميلاد أيضا، بآلاف ومئات السنين، تحوّل الاستقرار إلى كيانات سياسية. فنشأت على أرض الأردن مملكة عمون (عمّان ربّة عمّون) ومملكة مؤاب ومملكة أدوم، وكان يُشار إلى هذه الأرض في النصوص القديمة باسم (هٰأردانيم)، أي الأرض الواقعة عبر نهر الأردن. لم تكن هذه الممالك هامشية، بل لعبت دورًا محوريًا في التجارة بين الجزيرة العربية وبلاد الشام والتحكم بالطرق الملكية والصراعات والتحالفات الإقليمية. وهنا، تعلّم الأردني القديم السياسة، والتحالف، والدفاع عن الأرض.

ثم جاءت لحظة التحوّل الكبرى، الأنباط، الدولة العربية الأولى المنظمة، مئات السنون قبل وبعد الميلاد، وهم عربٌ قدموا من عمق الجزيرة، لم يكتفوا بالمرور، بل أسّسوا دولة متكاملة. البتراء عاصمة سياسية ومركز تجاري عالمي ونظام هندسي متقدم للمياه وإدارة مالية وتنظيم عمراني... هنا، لم يُنحت الصخر للزينة، بل ليكون هوية سياسية وحضارية. الأنباط علّموا العال: كيف تُبنى دولة في الصحراء، كيف يتحوّل الموقع الجغرافي إلى قوة اقتصادية، كيف تكون العروبة حضارة لا قبيلة فقط... وحين ضمّ الرومان المنطقة، أصبح الأردن مدينةً مفتوحة لمئات السنين بعد الميلاد، لم يلغوا ما قبلهم، بل دمجوه في منظومة أوسع. في جر ش وأم قيس، وفيلادلفيا (عمّان). مدن، مجالس، مسارح، شوارع مخططة. الأردن أصبح جزءًا من العالم المتحضّر، لا تابعًا له.

أي بُنيّ

حين نقول إن الأردن قديم، فنحن لا نعني قدم الحجر، بل استمرارية الإنسان. تعاقبت الحضارات، لكن الأرض بقيت أردنية، والدور بقي محوريًا: مهدًا للاستقرار، جسرًا للحضارة، نقطة التقاء لا صدام، وهذا ما يفسّر، لماذا حين جاء زمن الدولة الحديثة، لم يكن الأردني غريبًا عن معنى الوطن، بل كان امتدادًا طبيعيًا لتاريخ طويل من الوعي بالأرض والهوية

أيُّ بُنَيّ ذوقان...

إذا كان للأمكنة ذاكرة، فإن ذاكرة الأردن ليست حجرًا ولا نقشًا فقط، بل وحيٌ مرّ من هنا، واستقرّ، وترك أثره في التاريخ والوجدان. لم تكن أرض الأردن يومًا مسرحًا محايدًا للرسالات السماوية، بل كانت جزءًا من حكمة واختيارٍ إلهيٍّ دقيق، اختيارٍ للمكان كما هو اختيارٌ للزمان والإنسان. فهنا، في قلب بلاد الشام، حيث تلتقي القارات، وتتشابك الطرق، وتضيق المسافة بين السماء والأرض، كانت هذه البقعة مهيّأة لأن تكون أرض النبوّات، وأرض الابتلاء، وأرض البركة.

يخبرنا الله في كتابه الكريم بأنه تعالى قد نجّى إبراهيم ولوطًا عليهما السلام إلى الأرض التي بارك فيها للعالمين، ومنذ تلك اللحظة، دخل الأردن، جغرافيًا وتاريخيًا، في قلب السردية الإلهية للتوحيد. مرّ إبراهيم الخليل عليه السلام من هذه الأرض في رحلته الكبرى، رحلة الخروج من الوثنية إلى التوحيد، ومن الخوف إلى اليقين. لم يكن مروره عابرًا، بل تأسيسيًا؛ إذ إن البركة التي وُصفت بها الأرض لم تكن نعمة سكون، بل نعمة إعدادٍ لما سيأتي بعدها من رسالات. وعلى هذه الأرض أيضًا عاش لوط عليه السلام، وواجه قومه، ونجّاه الله من بطشهم، في مشهدٍ مبكّر يربط الأردن بفكرة النجاة الأخلاقية في مواجهة الطغيان.

ثم جاءت لحظة موسى عليه السلام، لحظة ثقيلة المعنى، عميقة الدلالة. فعلى أرض الأردن، وتحديدًا على جبل نيبو، انتهت رحلة نبيٍّ قاد شعبه أربعين عامًا في التيه، ولم يُكتب له أن يدخل الأرض المقدسة. وقف موسى هناك، فرأى بعينيه ما وُعد به، ثم أسلم الروح، لتكون هذه الأرض شاهدًا على واحدة من أعظم دروس النبوّة.

وعلى ضفاف نهر الأردن، تغيّر معنى الماء في التاريخ الديني للإنسان. فهنا، في المغطس، تعمّد عيسى عليه السلام، وانطلقت دعوته التي ستغيّر وجه العالم. لم يكن اختيار المكان تفصيلًا ثانويًا، بل كان تثبيتًا لمكانة الأردن في قلب المسيحية الأولى. ولهذا اعترفت الكنائس العالمية، والفاتيكان، ومنظمة اليونسكو، بأن هذا الموقع الأردني هو المكان الأصيل لعماد السيد المسيح. لم يكن الأردن هنا معبرًا، بل بداية رسالة عالمية.

ثم جاءت الرسالة الخاتمة، رسالة محمد ﷺ، فلم تلغِ ما قبلها، بل أعادت تأكيده. حضور الأردن جاء أوضح ما يكون في المعنى والمكان. يقول الله تعالى في آية الإسراء: "إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله". وكذلك قصة أهل الكهف، الواردة في القرآن الكريم، وجدنا أنفسنا مرة أخرى أمام الأردن بوصفه ملجأً للإيمان في زمن القهر. فهؤلاء الفتية الذين فرّوا بدينهم من بطش السلطة، وجدوا في هذه الأرض مأوىً، وحفظهم الله ليكونوا آيةً للناس. وكأن التاريخ يعيد نفسه: كلما ضاق الإيمان في مكان، اتسعت له هذه الأرض...

أيُّ بُنَيّ ذوقان

بعد أن كانت أرض الأردن ممرًّا للأنبياء ومهبطًا للبركة، جاء زمنٌ صار فيه الإيمان فعلًا لا قولًا، وصارت العقيدة ثباتًا يُختبَر في ساحات الوغى. على هذه الأرض وقعت معارك فاصلة في التاريخ الإسلامي، لم تُخض طلبًا لغنيمة ولا توسّعًا في سلطان، بل دفاعًا عن رسالةٍ وُلدت لتُبلَّغ بصدق. في مؤتة، تقدّم زيد بن حارثة حاملا راية الإسلام فسقط شهيدًا، ثم حملها جعفر بن أبي طالب فقاتل حتى قُطعت يداه فاحتضن الراية بعضديه وسقط شهيدًا، ثم تبعه عبد الله بن رواحة ثابت القلب حتى لقي الله، ثلاثة قادة وثلاث شهادات في يوم واحد على أرض الأردن، وكأنها منذ ذلك الحين كُتِب لها أن تكون أرض الكرامة. ثم جاءت اليرموك، خالد بن الوليد سيف الله المسلول، المعركة التي لم تغيّر حدودًا فحسب، بل غيّرت مسار التاريخ، حين انتصر الإيمان والعبقرية العسكرية والتنظيم على كثرةٍ إمبراطورية، فانفتح المشرق وانهار وهم أن القوة وحدها تصنع المصير. وفي فِحل (بيلا)، شرحبيل بن حسنة ورفاقه، تثبّت الفتح وترسّخت نتائجه، لا كاندفاعٍ عابر، بل كمشروع عدلٍ وحكم. ولم تكن أرض الأردن ميدان معارك فقط، بل مرقدًا لرجالٍ عظام؛ ففي ثراها عاش ومات أبو عبيدة عامر بن الجراح أمين هذه الأمة، ودفن فيها شرحبيل بن حسنة وغيرهما من الصحابة، لتبقى هذه الأرض شاهدة أن الرسالة لم تمرّ من هنا مرورًا عابرًا، بل استقرت وارتوت بدمٍ طاهر. ولهذا، حين جاء زمن العشائر، ثم الثورة ثم الدولة، لم يكن الأردني غريبًا عن معنى التضحية، فالأرض التي عرفت مؤتة واليرموك، تعرف كيف تُنجب رجالًا يحملون الراية حتى النهاية.

أي بُنيّ

حين تقرأ كل هذا، تفهم أن الأردن لم يكن يومًا خارج النصّ المقدّس، ولا على هامش الرسالات، بل كان جزءًا من منطقها ومسارها. ومن عاش على أرضٍ مرّ بها الأنبياء، وسكنتْها البركة، لا يمكن أن يكون غريبًا عن معنى التضحية، ولا عن فكرة الحق، ولا عن رفض الظلم. ولهذا، حين نصل في السرد إلى زمن الثورة، وزمن الاستقلال، وزمن الدولة، سنفهم أن ما فعله الأردنيون لم يكن طارئًا على تاريخهم، بل امتدادًا طبيعيًا لأرضٍ تعلّمت منذ آلاف السنين أن تكون مع الحق، مهما كان الثمن.

أيُّ بُنَيّ ذوقان

لكي تفهم لماذا وُلد الأردن دولةً، عليك أولًا أن تفهم لماذا لم يعد ممكنًا أن يبقى بلا دولة. فالتاريخ، يا بُنيّ، لا يصنع الكيانات فجأة، بل يهيّئ لها الأرض حين يتراكم الظلم حتى يصبح الانفجار ضرورة أخلاقية.

ففي أواخر القرن التاسع عشر، كانت الدولة العثمانية قد دخلت مرحلة الشيخوخة السياسية. لم تعد تلك الدولة التي حملت راية الخلافة قرونًا، ولا تلك التي وحّدت أطراف العالم الإسلامي. تحوّلت، شيئًا فشيئًا، إلى كيانٍ مرتبك، تجاذبه الضغوط الأوروبية من الخارج، وتنهشه الصراعات الداخلية من الداخل. ثم جاء حزب الاتحاد والترقي، لا بوصفه مشروع إصلاحٍ حقيقي، بل بوصفه انقلابًا على روح الدولة نفسها.

رفع الحزب شعارات الحداثة، لكنّه مارس أقسى أشكال التتريك والإقصاء. لم يعد العربي شريكًا في الدولة، بل صار عبئًا في نظر السلطة الجديدة، تُنتزع لغته من الإدارة، ويُهمَّش تاريخه، ويُراقَب فكره، ويُلاحَق كل من يطالب بالكرامة أو الإصلاح. في تلك المرحلة، لم يكن القهر نظريًا، بل معيشًا. الإعدامات في ساحات دمشق وبيروت، السجون، النفي، مصادرة الصحف، وتجريم الفكرة قبل الفعل. وكان نصيب بلاد الشام، ومنها شرق الأردن، ثقيلاً من هذا الظلم المتأخر..

أيُّ بُنَيّ ذوقان

وهكذا، يا بُنيّ، لم يكن إغلاق الصحف حدثًا إداريًا، ولا الإعدامات إجراءً استثنائيًا، بل كانت سياسة ممنهجة لإسكات هوية كاملة. وحين تُغلق الكلمة، لا يبقى أمام الشعوب إلا أن تتكلم بالفعل... لكنّ الشعوب، يا بُنيّ، قد تصبر طويلًا، غير أنها لا تنسى. وقد تتحمّل القهر، لكنها لا تقبل إلغاء هويتها. وهنا، بدأ الوعي العربي يتشكّل لا بوصفه عصبية، بل بوصفه حقًا سياسيًا وأخلاقيًا. ظهرت الجمعيات العربية، وتحرّكت النخب الفكرية، وبدأ السؤال الكبير يُطرح: هل يمكن أن تستمر دولةٌ تنكر على أبنائها لغتهم وكرامتهم؟

في هذا السياق التاريخي، برز دور الشريف حسين بن علي، شريف مكة، وحفيد بيت النبوّة، بوصفه رجل لحظةٍ تاريخية، لا مغامر سياسة. لم يرفع الشريف حسين راية الثورة طلبًا لسلطة، بل دفاعًا عن كرامة العرب، وعن حقهم في حكم أنفسهم داخل دولةٍ عادلة. فدخل في مراسلاتٍ مع المندوب البريطاني هنري مكماهون، عُرفت تاريخيًا بـ مراسلات الحسين مكماهون، طالب فيها باعترافٍ باستقلال البلاد العربية مقابل الوقوف في وجه الظلم العثماني. كانت تلك المراسلات، رغم ما شابها لاحقًا من خيبات، أول وثيقة سياسية حديثة، تطالب باستقلال عربي شامل، لا بإصلاحات جزئية ولا امتيازات شكلية.

وفي عام 1916، انطلقت الثورة العربية الكبرى، لا كتمرّدٍ عابر، بل كثورة تحمل مشروعًا: الحرية والاستقلال ووحدة الأرض العربية. وهنا، يا بُنيّ، دخلت أرض شرق الأردن مرحلة جديدة من تاريخها. لم تكن هذه الأرض بعيدة عن الثورة، ولا متفرّجة عليها، بل كانت جزءًا من مسارها الجغرافي والبشري. عبرت قوات الثورة من جنوبها، ووجدت في عشائرها سندًا، وفي طرقها عمقًا استراتيجيًا، وفي أهلها فهمًا فطريًا لمعنى التحرر. وحين فُتحت العقبة عام 1917، لم يكن ذلك انتصارًا عسكريًا فقط، بل كان كسرًا لحاجز الجغرافيا السياسية، وفتحًا لطريق شماليٍّ سيمتدّ نحو شام العروبة.

لكن التاريخ، كما تعلّمنا لاحقًا بني، ليس مستقيمًا. ففي الوقت الذي كان العرب يقاتلون على أمل الاستقلال، كانت القوى الكبرى ترسم خرائط أخرى. اتفاقيات سرّية ووعود متناقضة، سايكس بيكو 1916 ووعد بلفور 1917 المشؤومة، وعد من لا يملك لمن لا يستحق، كما وصفها جدك في كتابه "القضية الفلسطينية"، وما سيأتي لاحقًا من تقسيمٍ وانتداب.

ومع ذلك، يا ذوقان، فإن لحظة الثورة لم تُهدر... لأنها زرعت في وعي أهل هذه الأرض حقيقةً لا تُمحى: أن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع، وأن الدولة ليست هدية، بل ثمرة نضالٍ طويل. من هنا، لم تولد الثورة العربية الكبرى من فراغ، ولم تكن تمرّدًا عاطفيًا، بل كانت ردًّا تاريخيًا على قمعٍ تاريخي. وحين انهارت الدولة العثمانية في هذه المنطقة، لم يسقط معها نظام حكم فقط، بل سقط وهمٌ كبير اسمه أن الظلم يمكن أن يدوم إلى الأبد... وهكذا، حين انتهت الحرب العالمية الأولى عام 1918، لم يكن شرق الأردن فراغًا سياسيًا، ولا أرضًا بلا وعي، بل مساحةً مشبعةً بروح الثورة، ومهيّأة لمرحلة أصعب، مرحلة مواجهة الانتداب، وبناء الدولة من تحت الرماد. فما جرى يا بني قبل الإمارة، لم يكن تمهيدًا إداريًا، بل تكوينًا نفسيًا وسياسيًا للأردني. ومن لم يفهم هذا التكوين، لن يفهم لماذا قاوم الأردنيون الانتداب، ولا لماذا تمسّكوا بالاستقلال، ولا لماذا لم يقبلوا أن يكون وطنهم مؤقتًا.

أيُّ بُنَيّ ذوقان

فكيف تحولنا من الوعي إلى الدولة بين الأعوام 1900 إلى 1946... وكيف نضج الإستقلال قبل أن يعلن؟؟!! فبعد انقضاء الحرب العالمية الأولى عام 1918، لم يكن شرق الأردن كيانًا سياسيًا مُعلنًا، لكنه لم يكن، في أي لحظة، أرضًا سائبة بلا إرادة. فالفراغ الذي خلّفه سقوط الحكم العثماني كان فراغًا إداريًا لا وطنيًا، وسرعان ما ملأه الأردنيون، بزعاماتهم الوطنية آنذاك، بمبادرات ذاتية للحكم والتنظيم، نابعة من مجتمعٍ خبر إدارة شؤونه قبل قيام الدولة المركزية بزمن طويل.

في مطلع القرن العشرين، كانت الوطنية الأردنية تتشكّل تنظيمًا وفعلًا. ففي عام 1910، ساهمت زعامات أردنية مبكرة في تأسيس أول حزب وطني أردني، حزب الإستقلال الأردني، والذي كان امتدادًا لحزب الإستقلال في سوريا الذي عملت سلطات الانتداب الفرنسي على حلّه في دمشق. ومن بين مؤسسي هذا التيار الوطني والحزب جدكم الأكبر سالم باشا الهنداوي، أحد زعامات الأردن في تلك المرحلة. ضمّ هذا التيار رجالًا من مختلف أقاليم البلاد، منهم حسين باشا الطراونة من الكرك، وعبد القادر أحمد التل من إربد، وسليمان باشا السودي الروسان من بني كنانة، وراشد باشا الخزاعي الفريحات من عجلون، وناجي باشا العزام من إربد، وعلي خلقي باشا الشراري، وماجد باشا العدوان، ومثقال باشا الفايز، وعبد الرحمن إرشيدات، وكايد المفلح العبيدات، الذي سيُستشهد لاحقًا ليكون أول شهيد أردني على أرض فلسطين، في إكليل شرفٍ وغارٍ نتوارثه جيلًا بعد جيل... أسماء خلدها الوطن...

ومع نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918 وسقوط السلطة العثمانية، انتقل هذا الوعي من التنظيم السياسي إلى الفعل الإداري. ففي شمال البلاد، وتحديدًا في عجلون، تشكّلت عام 1920 حكومة محلية عُرفت تاريخيًا بـحكومة عجلون، وكانت أول محاولة عملية لإدارة شؤون الناس بعيدًا عن أي سلطة خارجية. وفي دير يوسف قرب إربد، قامت حكومة محلية أخرى تولّت الأمن، والقضاء العشائري، وإدارة الموارد، وحماية القرى. لم تكن هذه الحكومات دولًا بالمعنى القانوني، لكنها كانت إعلانًا مبكرًا عن رفض الفراغ والوصاية معًا، ودليلًا عمليًا على أن المجتمع الأردني قادر على إدارة نفسه بنفسه.

أيُّ بُنَيّ ذوقان

ثم جاء مؤتمر ووثيقة أم قيس... حين نطقت الإرادة الأردنية باسم الإستقلال... ففي ربيع عام 1920، وعلى تخوم التاريخ والجغرافيا، انعقد في بلدة أم قيس شمال الأردن واحدٌ من أهم وأشرف الاجتماعات السياسية في تاريخ الأردن الحديث، والتي يجب على جيلكم أن يعرف عنها ويعيها ويستوعب معانيها وأهميتها في تحقيق استقلال الوطن. لم يكن لقاءً عابرًا لوجهاء منطقة، ولا ردّ فعلٍ آنيًّا على أحداثٍ متسارعة، بل كان وعيًا مبكرًا يُترجِم ما كان يدور في صدور الأردنيين إلى موقفٍ مكتوبٍ واضحٍ لا يحتمل التأويل. هناك، وُلدت وثيقة أم قيس؛ لا بوصفها بيان احتجاج، بل بوصفها برنامجًا وطنيًا متكاملًا رسم ملامح الاستقلال قبل أن تُعلن الدولة بربع قرن.

جاءت بنود الوثيقة جريئةً في زمانها، صريحةً في لغتها، متقدمةً على سياقها الإقليمي والدولي. طالبت بقيام حكومة عربية وطنية مستقلة في شرق الأردن، ورفضت الانتداب بكل صوره، وأعلنت رفض وعد بلفور رفضًا قاطعًا، ورفضت تحويل فلسطين إلى وطن قومي لليهود، وطالبت بمنع الهجرة الصهيونية، وأكدت أن الشرعية السياسية لا تُستمد من قرارات الخارج، بل من إرادة السكان المحليين، وأن أي سلطة لا تحظى بقبول الأهالي هي سلطة مرفوضة أخلاقيًا ووطنيًا. بهذه البنود، لم تكن الوثيقة مطلبية فحسب، بل إعلان سيادة قبل قيام الدولة، وصيغة أردنية خالصة لمفهوم حق تقرير المصير.

وقّع الوثيقة عددٌ من أبرز شيوخ ووجهاء الأردن، ممثلين عن عشائرهم ومجتمعاتهم، في أول تعبير جماعي منظّم عن الإرادة السياسية الأردنية. وكان في مقدمتهم علي خلقي باشا الشراري، وجدكم الأكبر سالم باشا الهنداوي، وناجي باشا العزام، وسليمان باشا السودي الروسان، وراشد باشا الخزاعي الفريحات.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من وكالة عمون الإخبارية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من وكالة عمون الإخبارية

منذ 9 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 8 ساعات
قناة المملكة منذ 16 ساعة
خبرني منذ 10 ساعات
قناة رؤيا منذ 18 ساعة
قناة المملكة منذ 7 ساعات
قناة رؤيا منذ 21 ساعة
قناة رؤيا منذ 4 ساعات
خبرني منذ 10 ساعات
خبرني منذ 7 ساعات