تعددت الروايات حول بداية هذا التقليد، لكنها اتفقت جميعها على المكان، وهو مصر، واختلفت في الزمان والشخصيات، بما في ذلك شخصية الحاجة فاطمة، التي لُقّب مدفع الإفطار في مصر باسمها

قصة مدفع "الحاجة فاطمة" من ميادين الحروب إلى طقس رمضاني صدر الصورة،

في ذاكرة المصريين، كما في وجدان شعوب عربية وإسلامية كثيرة، يجيء شهر رمضان محمّلاً بروائح الطفولة، ودفء البيوت القديمة، وصوت المسحراتي وهو يشق سكون الليل بندائه، وبصوتٍ آخر لا يقل حضوراً وهيبة: دويّ مدفع الإفطار، ذلك الصوت الذي لم يكن مجرد إشارة زمنية تعلن انقضاء ساعات الصوم، بل كان لحظة روحية جامعة، تختلط فيها رهبة الانتظار بفرحة اللقاء، وتلتقي فيها الأرض بالسماء في لحظة أذان المغرب.

وقبل أن تُعرف الساعات الرقمية والتطبيقات الذكية، كان الناس يضبطون إيقاع يومهم على أصوات حية تنبع من المساجد والميادين، أصوات ترتبط بالروح قبل أن ترتبط بالوقت.

لقد ارتبط المصريون منذ أمد بعيد بمدفع الإفطار، ومن بعدهم عدد كبير من الشعوب العربية والإسلامية الذين اعتمدوا عليه في إعلان موعد الإفطار عند الغروب وموعد الإمساك قبل مطلع الفجر.

قبل المدفع وقد سبقت المدفع وسائل أخرى للإعلان عن دخول الوقت، كان أولها الأذان، الذي مثّل الوسيلة الشرعية والروحية الأولى لتنبيه المسلمين إلى أوقات الصلاة والإفطار والسحور.

ويقول الباحث في التراث الإسلامي، أحمد المنزلاوي، في كتابه "شهر رمضان في الجاهلية والإسلام" إن الإعلان عن مواعيد الإفطار والسحور بدأ برفع الأذان، مستشهداً بحديث نبوي يشير إلى الأذان.

وبحسب الكتاب فإن الحديث يكشف عن تنظيم لوقت الصيام منذ عهد النبوة، حيث كان بلال بن رباح يؤذن قبل المغرب لتنبيه الناس إلى موعد الإفطار، بينما يؤذن عبد الله بن أم مكتوم عند صلاة الفجر لتنبيه الناس إلى موعد الإمساك عن الطعام.

واستمر الاعتماد على الأذان قروناً طويلة باعتباره الوسيلة الأساسية للإعلان عن موعد الفطور والإمساك، وكان صوت المؤذن يتردد من فوق المآذن ليصل إلى البيوت والأسواق والطرقات.

صدر الصورة،

ومع اتساع المدن الإسلامية في العصور الأموية والعباسية ثم المملوكية والعثمانية، ظهرت وسائل مساعدة إلى جانب الأذان لضمان وصول التنبيه إلى أكبر عدد من السكان، خاصة في الحواضر الكبرى التي قد لا يصل فيها صوت المؤذن إلى جميع الأحياء.

تخطى الأكثر قراءة وواصل القراءة

الأكثر قراءة نهاية

تخطى يستحق الانتباه وواصل القراءة قناتنا الرسمية على واتساب

تابعوا التغطية الشاملة من بي بي سي نيوز عربي

يستحق الانتباه نهاية

فاستُخدمت الطبول و"النقّارات" في بعض المدن، حيث كان يُقرع الطبل في القلاع أو الساحات العامة عند الغروب أو قبيل الفجر حيث كانت القلاع تمثل مركزاً إدارياً وعسكرياً، ومن ثم تحوّلت إلى نقطة بثّ صوتي يُسمع في أرجاء المدينة.

ومن أبرز الوسائل الشعبية التي سبقت المدفع شخصية "المسحراتي" الذي كان يجوب الأزقة قبل الفجر وهو يقرع طبله وينادي الناس بأسمائهم لإيقاظهم للسحور، في مشهد يجمع بين الوظيفة العملية والبعد الاحتفالي.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن هذه المهنة عُرفت في مصر منذ العصر الفاطمي، ثم انتشرت في بلاد الشام وغيرها، وأصبحت جزءًا من الطقس الرمضاني، حيث لا يقتصر دور المسحراتي على الإيقاظ فحسب، بل يعزز الروابط الاجتماعية ويمنح الشهر طابعاً مميزاً.

كما عرفت بعض المدن وسائل بصرية للتنبيه، تمثلت في إيقاد المشاعل أو الفوانيس فوق المآذن أو في الأماكن المرتفعة عند دخول وقت المغرب أو قرب الفجر، وقد كان لهذا الأسلوب أهمية خاصة في المدن الساحلية أو ذات الامتداد العمراني الواسع، حيث يمكن رؤية الضوء من مسافات بعيدة، وفي أحيان أخرى، كان يُكلَّف أشخاص بمراقبة غروب الشمس أو طلوع الفجر من نقاط مرتفعة، ثم يرسلون إشارة صوتية أو ضوئية لبقية السكان، مستندين إلى معرفة فلكية دقيقة.

إلى جانب ذلك، اعتمد كثير من الناس، خاصة في البيئات الريفية والصحراوية، على المراقبة المباشرة للطبيعة، مثل متابعة لون الشفق عند الغروب أو تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود عند الفجر، استناداً إلى النص القرآني، وقد تطورت علوم الفلك والحساب في الحضارة الإسلامية لتحديد المواقيت بدقة، فظهرت الجداول الفلكية و"الروزنامات" التي ساعدت المؤذنين على ضبط الأوقات على مدار العام.

وهكذا، تكشف هذه الوسائل المتنوعة أن المجتمعات الإسلامية طوّرت عبر القرون منظومة متكاملة للإعلان عن وقت الإفطار والسحور، جمعت بين النص الديني، والمعرفة العلمية، والعادات الشعبية، قبل أن يأتي مدفع رمضان.

تعدد الروايات ومع اتساع المدن وتزايد أعداد السكان، ظهرت الحاجة إلى وسيلة أشد وقعاً وأبعد مدى، خصوصاً في المدن الكبرى، ومن هنا بدأ تقليد إطلاق مدفع الإفطار والسحور في مصر، وهو التقليد الذي تحوّل مع الزمن إلى علامة مميزة من علامات رمضان.

ويُعرف مدفع رمضان في مصر باسم "مدفع الحاجة فاطمة"، وهو اسم يحمل في ذاته طابعاً شعبياً حميماً. ويذكر الكاتب المصري مؤمن المحمدي في كتابه "مصر من تالت.. حواديت المحروسة" أن لهذا المدفع له تاريخا عسكريا، إذ استُخدم في ثلاثة حروب: حرب تركيا ضد روسيا في شبه جزيرة القرم، والحرب الفرنسية ضد ثورة المكسيك، ومحاولات غزو الحبشة، وهكذا انتقل المدفع من ساحات القتال إلى ميادين الروح، من أداة حرب إلى أداة إعلان لفرحة يومية تتكرر ثلاثين مرة في العام.

وتعددت الروايات حول بداية هذا التقليد، لكنها اتفقت جميعها على المكان وهو مصر، واختلفت في الزمان والشخصيات بما في ذلك شخصية الحاجة فاطمة التي لُقب مدفع الإفطار في مصر على اسمها تخليداً لذكراها في الوعي الشعبي، حيث تقول إحدى الروايات إنها كانت زوجة السلطان المملوكي خوشقدم، في حين تقول رواية أخرى إنها كانت ابنة الخديوي إسماعيل.

وتقول الرواية الأولى حول بداية هذا التقليد الرمضاني إن إطلاق مدفع رمضان بدأ في عصر المماليك البرجية الشراكسة عام أثناء حكم السلطان خوشقدم (1461 -1467)، فقد أراد السلطان اختبار صلاحية أحد المدافع عند غروب الشمس في أول أيام رمضان، فانطلقت القذيفة مصادفة في لحظة الإفطار، فظن الناس أن السلطان استحدث تقليداً جديداً للتنبيه إلى موعد الإفطار، لكن في اليوم التالي لم يطلق المدفع في موعد أذان المغرب، فتوجه الأهالي إلى قصر الحاكم مطالبين بإطلاق المدفع فلم يجدوه فاستقبلتهم زوجته الحاجة فاطمة التي نقلت بدورها مطلبهم لزوجها، فأُعجب السلطان بالفكرة وقرر استمرار إطلاق المدفع طوال الشهر.

صدر الصورة،

أما الرواية الثانية فتنسب البداية إلى عهد محمد علي باشا، مؤسس مصر الحديثة، عام 1805 إذ يُقال إنه أراد تجربة أحد المدافع التي وصلت إليه من ألمانيا، فصادف إطلاقه وقت الغروب في أول أيام رمضان، فاستحسن الناس الفكرة، وقرر محمد علي اعتمادها تقليداً دائماً.

في حين تذهب الرواية الثالثة إلى أن التقليد بدأ في عهد حاكم مصر الخديوي إسماعيل (1863-1879)، إذ انطلقت دانة من أحد المدافع عن طريق الخطأ أثناء صيانته وقت غروب أول أيام رمضان، وقد لاقى ذلك استحسان الناس، فأمرت الأميرة فاطمة إسماعيل، ابنة الخديوي، باستمرار إطلاق المدفع يومياً.

وأيا كانت الرواية الأصح تاريخياً، فإن المؤكد أن التقليد انطلق من مصر وانتشر منها إلى بلدان عربية وإسلامية عدة، فقد وصل إلى أبرز مدن بلاد الشام دمشق والقدس ومنها امتد إلى قلب المناطق العثمانية على الجانب الأوروبي من مضيق البوسفور، بما في ذلك إسطنبول ودول البلقان، ثم إلى بغداد في أواخر القرن التاسع عشر، ومنها إلى الكويت عام 1907 في عهد الشيخ مبارك الصباح، وقد تبنّت الدولة السعودية هذا التقليد قبل أكثر من 80 عاما بعد سيطرتها على المدينتين المقدستين مكة والمدينة في عشرينيات القرن العشرين.

ثم أُدخل هذا التقليد إلى الشارقة (إحدى إمارات دولة الإمارات العربية المتحدة) خلال حكم صقر بن سلطان القاسمي (1951 1965)، وإلى دبي في ستينيات القرن الماضي على يد راشد بن سعيد.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من بي بي سي عربي

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بي بي سي عربي

منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ ساعتين
منذ 10 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 15 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 17 ساعة
سي ان ان بالعربية منذ ساعتين
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 20 ساعة
قناة العربية منذ 12 ساعة
قناة العربية منذ 5 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 18 ساعة
سكاي نيوز عربية منذ 5 ساعات