يمثّل الاحتفاء بذكرى يوم التأسيس فرصة لاستحضار عمق تاريخي بناه أئمة الدولة السعودية على ركائز من الوحدة، والعدل، والتلاحم المجتمعي الفريد.
ومنذ بزوغ فجر الدولة السعودية الأولى في قلب الدرعية، لم يكن الأئمة مجرد قادة سياسيين، بل كانوا مهندسين لهوية ثقافية ووطنية متينة، أثبتت قدرتها على الصمود والاستمرار في وجدان السعوديين حتى يومنا هذا.
قيادة شعبية وتلاحم مجتمعي تحت لواء أئمة الدولة السعودية يكشف التاريخ عن نمط قيادي استثنائي اتبعه أئمة الدولة السعودية، حيث كانت العلاقة بين الحاكم والمجتمع محورًا أساسيًّا للاستقرار.
ويبرز الإمام سعود بن عبدالعزيز كنموذج للقيادة الحكيمة؛ إذ يشير المؤرخ ابن بشر إلى حرصه الدائم على الاستماع لشكاوى الناس وتلبية احتياجاتهم دون حواجز.
وكان التواضع سمة بارزة في ذلك العصر، حيث يخاطب المواطنون الإمام ببساطة قائلين "يا سعود" أو "يا أبو عبدالله"، بينما ينادي الإمام كل فرد باسمه، في مشهد يعكس عمق التواصل الإنساني والسياسي.
واستمر هذا النهج في الانفتاح ليشمل المجالس العامة التي وصفتها شهادات الرحالة العالميين بإعجاب شديد، فقد تحدث الرحالة السويسري جون لويس بوركهارت عن قرب الإمام سعود من شعبه، مؤكدًا أنه كان يفتح مجالسه لاستقبال الناس صباحًا ومساءً، ويجلس معهم دون تكلف للاستماع لمطالبهم.
كما نقل الرحالة الإيطالي جيوفاني فيناتي صورًا مشرقة عن كرم السعوديين وأخلاقهم النبيلة، وهي القيم التي غرسها أئمة الدولة السعودية في نفوس المجتمع لتصبح سمة أصيلة للهوية الوطنية.
نهضة ثقافية واقتصادية في عهد أئمة الدولة السعودية تحولت الدرعية في ظل حكم أئمة الدولة السعودية إلى منارة علمية كبرى، حيث جعل الأئمة من التعليم ركيزة أساسية للنهضة.
وكانت مجالس العلم تُعقد ثلاث مرات يوميًّا في المساجد والأسواق، مما جعل المعرفة متاحة للجميع دون استثناء.
ولم يكتف الأئمة بالتوجيه، بل قدموا دعمًا ماليًّا سخيًّا للعلماء وطلبة العلم، حيث كان الإمام عبدالعزيز بن محمد يرسل الأموال للمعلمين والمؤذنين وحملة القرآن في مختلف المناطق، مما جعل الدرعية مقصدًا لطالبي العلم من داخل الجزيرة العربية وخارجها.
وبالتوازي مع النهضة العلمية، شهد الجانب الاقتصادي ازدهارًا غير مسبوق بفضل السياسات الحكيمة التي اتبعها أئمة الدولة السعودية.
وأصبحت الدرعية مركزًا حيويًّا للتجارة، مدعومة باستتباب أمنٍ مذهل؛ إذ كان المسافرون يسيرون في طرق الجزيرة بأمان تام حاملين أموالهم دون خوف، بفضل انتشار العدل وهيبة الدولة.
كما تجلى البعد الإنساني في إدارة الأئمة من خلال دعم المحتاجين، خاصة في شهر رمضان، حيث وفروا الطعام والكسوة للفقراء، وقدموا الهدايا للأطفال في العشر الأواخر لتشجيعهم على التعلم.
وبناءً على هذا الإرث العريق، يأتي يوم التأسيس اليوم ليجسد تلك القيم الراسخة، وليؤكد أن المملكة العربية السعودية تواصل مسيرتها بثبات نحو المستقبل، متمسكة بهوية وطنية تجمع بين أصالة الماضي الذي صنعه أئمة الدولة السعودية وطموحات الغد المشرق.
هذا المحتوى مقدم من العلم
