مصدر الصورة: BBC
من يتخيل وهو يرهف السمع إلى صوت المبتهل المصري سيد النقشبندي وهو يناجي ربه في تحفته "مولاي"، أن ناظم هذه الكلمات التي عانقت صوت السماء، هو ذاته الذي غنت له أم كلثوم "لسه فاكر قلبي يديلك أمان!"، وهو ذاته الذي غنى له سيد مكاوي "يا أبو زعيزع"؟!
كتب للنقشبندي وحده نحو 15 نشيداً، بحسب المهندس رضا حسن، جامع تراث النقشبندي، لحنها جميعاً بليغ حمدي. وكان للعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ النصيب ذاته تقريباً من أشعاره الدينية التي لحنها محمد الموجي، من بينها "أنا من تراب" و"ورحمتك في النسيم"، و"ع التوتة والساقية".
قدمت له سعاد محمد جميع أغنيات فيلم "الشيماء". وتعد مقدمة مسلسل "محمد رسول الله" من أشهر أغنياته الدينية الحديثة التي غنتها ياسمين الخيام ولحنها الموسيقار جمال سلامة. وغنى ولحن له محمد الكحلاوي "مدد يا نبي".
إنه عبد الفتاح مصطفى، الذي طغت شهرة أشعاره على اسمه، ليصبح جندي الأغنية الدينية المجهول للكثير من أبناء هذا الجيل، على عكس غيره من الشعراء الذين كانوا معاصرين له، رغم أنه أثرى المكتبة الإذاعية المصرية بأكثر من 1000 عمل فني في مختلف بحور الكلمات، حتى وُصِف بأنه "فارس من فرسان الكلمة شعراً ونثراً".
يُتم مبكر و"هجرة نفسية" ولد عبد الفتاح مصطفى في سنة 1924 في حي الجمالية العريق بالقاهرة التاريخية، ليعيش في جوار الجامع الأزهر ومسجد الإمام الحسين.
نشأ في بيت والده العالم الأزهري مصطفى الغمراوي الذي كانت له مؤلفات في فقه السنة ومذهب الشافعية، لكن القدر لم يمهل عبد الفتاح لينهل من علم والده وتربيته حيث ذاق مرارة اليُتم وهو في الثالثة من عمره تقريبا.
عُرف عبد الفتاح منذ صغره بمواهبه الفنية، وتفتحت عيناه على حكايات السير الشعبية، حيث قرأ سيرة الأميرة ذات الهمة وسيف بن ذي يزن، والسيرة الهلالية، وكان مهتماً بالقصص المصورة والرسوم الساخرة وكتب الزجل.
وحين بلغ الثانية عشرة من عمره، قرر أن يبدو ناضجاً في عيون أساتذته، بحسب ما حكاه في لقاء إذاعي، فبدأ في شراء دواوين كبار شعراء عصره مثل أحمد شوقي وحافظ إبراهيم ومحمود غنيم، وتفجرت موهبته الشعرية وهو لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره.
رأس فرقة الشعر في مدرسته الثانوية، وقدم للإذاعة بعض أشعاره وهو في الصف الثاني الثانوي، وأصدر ديوانه الأول وهو في التاسعة عشرة من عمره بعنوان "المزامير"، قبل أن يلتفت إلى كتب الفلسفة والتحليل النفسي لسيغموند فرويد وألفريد أدلر.
ويقول عن نفسه في حديث للإذاعة المصرية: "انقلبتُ من طفل ساذج يقرأ قراءات شعبية، لإنسان دخل في فحولة الشعر، ثم تطرق منها إلى الفلسفات" التي "غرق" فيها بحسبه.
ويصف عبد الفتاح هذه المرحلة بأنه عاش "هجرة نفسية" حيث ابتعد عن اللغة العربية "بعداً كاملاً" فلم يعد يقرأ ما هو عربي، قبل أن يشعر بالغربة ليقرر العودة إلى جذوره، وينصب اهتمامه على القرآن الكريم وتفاسيره وكتب الفقه والسيرة والتاريخ الإسلامي.
ومما أثر عنه قوله "لا تتعجل فإن لقمة العيش تُخبز في السماء".
"الفن شغلني عن المحاكم" قالوا الجمال ألوان .. يسبي العيون ويروح
قلت الجمال إنسان يصون هواه بالروح
تخرج عبد الفتاح مصطفى في كلية الحقوق، وحصل على دبلوم في الشريعة الإسلامية. وعمل رئيساً لمأمورية الشهر العقاري، قبل أن يصبح مستشاراً قانونياً في المؤسسة المصرية للإسكان، وعين فيما بعد أستاذاً زائراً في كلية الإعلام بجامعة القاهرة.
ويبدو أن دراسته للقانون كانت نوعاً من أنواع الوجاهة في ذلك العصر، بحسب ما حكت ابنته خديجة في أحد اللقاءات التلفزيونية، لكن المحاكم لم تكن في دائرة اهتماماته.
وحكى في لقاء له قائلاً: "الفن والأدب واهتماماتي اللغوية أخذت من وقتي أكثر من المحاكم ومن مشكلات الناس اليومية".
ومما ينبغي ذكره عن عبد الفتاح مصطفى أنه كان يهوى دراسة اللهجات العربية من الكويت إلى بدو ليبيا. وقد تجلى ذلك في أغنيته "كعب البنت ريال مدور" التي قدمها الفنان السوري فهد بلان.
وبنظرة الشاعر المتأملة في دقائق الكون، لم تخل مكتبة عبد الفتاح الخاصة من كتب الكيمياء والطب والتشريح والجيولوجيا والإلكترونات، بحسب لقاء معه في برنامج "زيارة لمكتبة فلان" للإعلامية نادية صالح بإذاعة البرنامج العام المصرية.
"ألفين صلاة عليك يا نبي" الشوق جناحي .. ومركبي
والنور طريقي وموكبي
ألفين صلاة عليك يا نبي
لحن الموسيقار محمد عبد الوهاب لعبد الفتاح مصطفى أغنيتين دينيتين بحسب ما ذكره الأستاذ فوزي إبراهيم، أمين عام جمعية المؤلفين والملحنين والناشرين المصرية، ورئيس تحرير مجلة الكواكب السابق في حديثه لبي بي سي.
فقد كتب الشاعر الغنائي كلمات مقدمة الجزء الرابع من مسلسل "محمد رسول الله"، مطلعها "يا إمامي وبشيري وحبيبي يا محمد"، ولحن له أيضاً أغنية بعنوان "موكب النور" غنتها الفرقة النسائية "ثلاثي النغم".
وحكى عبد الفتاح مصطفى أنه قدم نحو 14 مسلسلاً للإذاعة منها "أبو الفتيان" عن قطب الصوفية الإمام أحمد البدوي، وآخر عن الإمام أبي الحسن الشاذلي، وهو قطب صوفي آخر، بالإضافة إلى البرنامج الغنائي "الصديق" عن الصحابي أبي بكر الصديق من ألحان وغناء الموسيقار محمد فوزي.
وفي كتاب "المنسي في الغناء العربي" للناقد والباحث الموسيقي الأردني زياد عساف، أفرد فصلاً للحديث عنه واصفاً إياه بأنه "إنسان متصوف، أثبتت كل أعماله فيما بعد أنه يتمتع بشفافية عالية معبراً بكلماته عن روح صافية ولمسة صوفية سواء في الأغنية العاطفية أو الوطنية أو الدينية.
ويقول عساف لبي بي سي إن إنجاز هذا الأديب "منسي" لعدم معرفة الناس بمنجزاته وما أضافه للأغنية العربية، مشيراً إلى أن فرقة شبابية أعادت تقديم رائعته "مولاي" وكتبت أن كلمات الأغنية من التراث، "ولم يُذكر صاحب الحق الأصلي".
وأضاف أن لحن أغنية "تم البدر بدري" التي كتب كلماتها أيضاً والتي تُذاع كل سنة في وداع رمضان، اقتُبس لحنها في أغنية "تسلم الأيادي" دون الإشارة للأصل، وجاء التعويض فيما بعد عن هذا "التجاوز" بمبلغ زهيد.
"والله لسه بدري والله يا شهر الصيام" حبيب الطفولة بغنوة وفانوس
وكُلّك معاني وكُلّك دروس
بمدفع فطورَك .. وطَبلة سحورَك
توحّد شعورنا وتهدي النفوس
ومن رصيد الشاعر الضخم الذي حوى درراً دينية، ترك عبد الفتاح مصطفى بصمة بكلماته في شهر رمضان الذي يصومه المسلمون من كل عام.
فقد غنت له فايزة أحمد "كريم المعاني ودايماً كريم" التي لحنها محمد فوزي، وكتب أيضاً صورة غنائية، (بمعنى المشهد الدرامي المُغنى)، بعنوان "رمضان أبو المواكب" لحنها شوقي إسماعيل وغناها إسماعيل شبانة شقيق الفنان عبد الحليم حافظ، الذي غنى أيضاً من كلماته أغنية.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من بي بي سي عربي
