ليانا فيكس* - (الإندبندنت) 12/2/2026
ألمانيا تعود بسرعة لتصبح قوة عسكرية كبرى في قلب أوروبا، مدفوعة بتراجع الدور الأميركي والتهديد الروسي. لكن صعودها غير المنضبط قد يعيد فتح جروح المنافسة والانقسام داخل القارة. ويكمن التحدي في تسليح يردع الأخطار الخارجية من دون أن يحول القوة الألمانية إلى مصدر خوف، أو يدفع أوروبا نحو صراعات داخلية جديدة، خصوصاً مع صعود اليمين المتطرف في برلين.
***
"أوجه إليكم تحذيراً جاداً، بأنه في ظل الاتجاه الحالي، فإن الحرب العالمية المقبلة حتمية"، هذا ما قاله القائد العسكري الفرنسي فرديناند فوش. حدث ذلك في العام 1921، حين كان فوش، القائد الأعلى لقوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الأولى، يدق ناقوس الخطر في خطاب ألقاه في مدينة نيويورك، وكانت مخاوفه بسيطة وواضحة. فبعد هزيمة ألمانيا، أجبرتها قوات الحلفاء على نزع سلاحها بموجب معاهدة فرساي. لكن بعد بضع سنوات، توقف الحلفاء عن تطبيق شروط انتصارهم. ونتيجة لذلك، حذر فوش من أن برلين ستصبح قادرة على إعادة بناء جيشها، وستفعل ذلك حتماً. "إذا واصل الحلفاء لامبالاتهم الحالية، فإن ألمانيا ستنهض حتماً حاملة السلاح من جديد".
وقد ثبتت رؤية فوش الاستشرافية، فبحلول أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، كانت ألمانيا قد أعادت بالفعل بناء قوتها العسكرية. فاستولت على النمسا، ثم تشيكوسلوفاكيا، ثم بولندا، مما أشعل فتيل الحرب العالمية الثانية. وعندما هزمت مرة أخرى، كان الحلفاء أكثر حرصاً في إدارة شؤون البلاد. فقد احتلوها وقسموها، وحلوا قواتها المسلحة، وألغوا إلى حد كبير صناعتها الدفاعية. وعندما سمحت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي لألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية، على التوالي، بإعادة بناء جيوشهما، كان ذلك تحت رقابة صارمة. وعندما سمح للشطرين بالاندماج، فرضت قيود على حجم قوات ألمانيا المسلحة. وحتى مع ذلك، عارضت رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر إعادة التوحيد، خشية أن يؤدي ذلك إلى نشوء دولة شديدة القوة والخطورة. وحذرت في العام 1989 من أن ألمانيا الأكبر "ستقوض الاستقرار الدولي برمته، وقد تعرض أمننا للخطر".
اليوم، تبدو مخاوف فوش وتاتشر جزءاً من الماضي البعيد. فبينما واجهت أوروبا أزمة تلو الأخرى في العقود الأخيرة، وأهمها العدوان الروسي على أوكرانيا، لم يعد القلق من أن تصبح برلين قوية أكثر من اللازم، بل من أنها أضعف مما ينبغي. وصرح رادوسلاف سيكورسكي، وزير خارجية بولندا، في العام 2011، خلال الأزمة المالية الأوروبية: "إنني أخشى تقاعس ألمانيا أكثر مما أخشى قوتها". وكان تصريحاً لافتاً لمسؤول بولندي، نظراً إلى أن وارسو كانت تقليدياً من أكثر الحكومات قلقاً وخوفاً من القوة الألمانية. وهذا ليس رأيه وحده، فقد صرح الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، مارك روته، في العام 2024، بأن الجيش الألماني يجب أن "ينفق أكثر وينتج أكثر".
والآن، يحصل هؤلاء القادة على ما تمنوه. فبعد تأخيرات كثيرة، بدأ المنعطف الألماني في السياسة الدفاعية، الذي تعهدت به برلين العام 2022 لتصبح أحد القادة الدفاعيين في أوروبا، يتحقق أخيراً على أرض الواقع. ففي العام 2025، أنفقت ألمانيا على الدفاع أكثر من أي دولة أوروبية أخرى من حيث القيمة المطلقة. ويحتل إنفاقها العسكري اليوم المرتبة الرابعة عالمياً، مباشرة بعد روسيا. ومن المتوقع أن يصل الإنفاق العسكري السنوي إلى 189 مليار دولار في العام 2029، أي أكثر من ثلاثة أضعاف ما كان عليه في العام 2022. بل إن ألمانيا تدرس حتى العودة للتجنيد الإلزامي إذا لم يتمكن جيشها، البوندسفير، من استقطاب عدد كاف من المتطوعين. وإذا واصلت البلاد هذا المسار، فستغدو مجدداً قوة عسكرية كبرى قبل العام 2030.
لقد شعر الأوروبيون عموماً بالسعادة لرؤية برلين تعيد بناء جيشها لمواجهة روسيا، لكن ينبغي لهم الحذر مما يتمنونه، فألمانيا اليوم تعهدت باستخدام قوتها العسكرية المتعاظمة لخدمة أوروبا بأكملها. غير أن الهيمنة العسكرية الألمانية، إذا تركت من دون ضوابط، قد تفضي في نهاية المطاف إلى إثارة الانقسامات داخل القارة. فما تزال فرنسا تشعر بعدم الارتياح إزاء تحول جارتها إلى قوة عسكرية عظمى، وكذلك الحال بالنسبة إلى كثيرين في بولندا، رغم تصريحات سيكورسكي. ومع صعود برلين، قد تتنامى الشكوك وانعدام الثقة. وفي أسوأ السيناريوهات، قد تعود المنافسة. فقد تسعى فرنسا وبولندا ودول أخرى إلى موازنة القوة الألمانية، وهو ما سيحول الانتباه بعيداً من روسيا ويترك أوروبا منقسمة وضعيفة. وقد تسعى فرنسا، على وجه الخصوص، إلى إعادة ترسيخ مكانتها بوصفها القوة العسكرية الأولى في القارة و"الأمة العظمى". وهذا قد يؤدي إلى منافسة صريحة مع برلين، ويوقع أوروبا في صراع داخلي.
في الواقع، تغدو هذه المآلات الكابوسية أكثر ترجيحاً على نحو خاص إذا انتهى الأمر بألمانيا إلى حكم حزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD) اليميني المتطرف، الذي يتقدم في استطلاعات الرأي. فهذا الحزب شديد القومية كثيراً ما انتقد الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وذهب بعض أعضائه إلى إطلاق مطالبات ثأرية تتعلق بأراضي دول مجاورة. وفي حال أحكم الحزب قبضته على السلطة، قد تستخدم ألمانيا نفوذها لابتزاز دول أخرى أو لإكراهها، بما يفتح الباب أمام توترات وصدامات.
تحتاج برلين فعلاً إلى تعزيز قدراتها العسكرية، فالقارة في خطر، ولا تملك أي حكومة أوروبية أخرى القدرة المالية التي تستطيع ألمانيا تسخيرها. ولكن يتعين على برلين أن تدرك الأخطار المصاحبة لقوتها وأن تقيد القوة الألمانية من خلال دمج قدراتها الدفاعية ضمن هياكل عسكرية أوروبية أكثر تكاملاً. وعلى جيران ألمانيا الأوروبيين، من جهتهم، أن يوضحوا الصورة التي يرغبون في أن يتخذها هذا التكامل الدفاعي. وإلا، فإن إعادة تسليح ألمانيا قد تفضي إلى أوروبا أكثر انقساماً وأشد ريبة وأضعف حالاً، وهو النقيض التام لما تأمل برلين اليوم في تحقيقه.
أكثر من اللازم.. وأقل مما ينبغي
بالنسبة إلى كثيرين، يصعب فهم كيف يمكن لإعادة تسليح ألمانيا أن يؤدي إلى منافسة وعدم استقرار في أوروبا، فجميع الأوروبيين على دراية، بطبيعة الحال، بتاريخ البلاد العسكري. لكن في العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، دمجت ألمانيا اقتصادها وأجهزتها الدفاعية بعمق في الإطار الأوروبي. فقد رفض أول مستشار لألمانيا الغربية بعد الحرب كونراد أديناور رفضاً قاطعاً فكرة تحويل بلاده إلى قوة عسكرية مستقلة، ودعا إلى دمج القوات المسلحة الألمانية الغربية، إما ضمن جيش أوروبي أو في حلف شمال الأطلسي. وبعد نهاية الحرب الباردة، تبنت ألمانيا نهجاً يقوم على ضبط النفس العسكري، وعرفت نفسها على أنها "قوة مدنية"، قوة جديرة بالثقة وغير مهددة، حتى مع ما جلبه التوحيد من زيادة كبيرة في قوتها. وكما صرح هيلموت كول، أول زعيم لألمانيا الموحدة، في العام 1989: "لا يمكن أن يخرج من الأراضي الألمانية سوى السلام". أما التكامل الاقتصادي والسياسي الذي حققه الاتحاد الأوروبي لاحقاً، فقد أسهم في خلق هوية أوروبية جامعة، وعزز الاعتقاد بأن الدول الأوروبية، ومنها ألمانيا، باتت تمتلك مصالح استراتيجية مشتركة، وبالتالي لن تعود مطلقاً للتنافس في ما بينها.
ومع ذلك، وكما طرح بعض منظري المدرسة الواقعية، فإن التنافس بين دول أوروبا لم يختف حقاً، وبالتأكيد لم يختف بفعل الاتحاد الأوروبي وحده. لقد جرى فقط كبحه، وإلى حد كبير بفضل حلف شمال الأطلسي والهيمنة الأميركية. فالاتحاد الأوروبي كان، وما يزال، في الأساس كياناً اقتصادياً، فيما بقي الأمن والدفاع في أوروبا في الغالب بيد "الناتو" والجيش الأميركي. وبعبارة أخرى، كان الحضور الأميركي الطاغي الأمر الذي خفف حدة المعضلة الأمنية الأوروبية التي كثيراً ما فرضها حجم ألمانيا وموقعها، لا مجرد التكامل السياسي والاقتصادي الذي عززه الاتحاد الأوروبي.
الآن، ومع ما يبدو أنه تراجع في اهتمام الولايات المتحدة بالالتزامات والموارد التي دأبت على تخصيصها تاريخياً لأوروبا، قد تعود تلك المنافسة من جديد. وقد تبدأ بأشكال صغيرة وغير مؤذية، فدول أوروبية أخرى تشعر بالفعل بعدم الارتياح إزاء التعاظم العسكري الألماني والإنفاق الدفاعي المتزايد. فعلى سبيل المثال، تخطط برلين لإنفاق الحصة الكبرى من موازنتها الدفاعية على شركات الدفاع الألمانية، مستفيدة من استثناء في قواعد المنافسة داخل الاتحاد الأوروبي، يسمح بموجبه للدول الأعضاء بتجاوز إجراءات الإخطار والموافقة على التمويل العام للصناعات الدفاعية الوطنية، إذا اعتبر هذا الإنفاق مسألة تتعلق بمصالح أمنية أساسية. ومن شأن ذلك أن يقوض التعاون ويعرقل بروز شركات دفاعية أوروبية رائدة بحق. ولا يساعد في هذا السياق إصرار ألمانيا على إبقاء قرارات المشتريات الدفاعية في أيدي الحكومات الوطنية ورفضها منح المفوضية الأوروبية دوراً تنسيقياً أكبر. فما تحتاج إليه صناعة الدفاع إليه في القارة هو "الأوروبة" وسوق موحدة للأسلحة، لكن سياسات برلين لا تدفع المجال الدفاعي في هذا الاتجاه.
لقد استفادت فرنسا وإيطاليا والسويد وغيرها من الدول من الثغرة نفسها في قواعد الاتحاد الأوروبي لتعزيز قطاعاتها الدفاعية، وهي تمتلك صناعات عسكرية كبيرة بما يكفي للحد من الهيمنة الألمانية. غير أن أي دولة أوروبية أخرى لا تستطيع مجاراة برلين في حجم الإنفاق. فقد خففت ألمانيا أخيراً قيود كبح الديون لديها، مما سمح بإنفاق غير محدود تقريباً على الدفاع، وهو خيار لا تملكه معظم الدول الأوروبية التي تعاني عجزاً مالياً أكبر. ويتمثل الحل الأمثل لهذه المعضلة في أن تلجأ المفوضية الأوروبية إلى الاقتراض المشترك واسع النطاق لأغراض الدفاع. وهناك سابقة لذلك بالفعل، وهي سندات اليورو التي أصدرتها المفوضية خلال أزمة كورونا. إلا أن برلين رفضت السماح بمثل هذه المبادرة الدفاعية الشاملة. وبدلاً من ذلك، لم تؤيد سوى برامج اقتراض مشروطة، مثل مبادرة "العمل الأمني من أجل أوروبا" Security Action for Europe (Safe)، التي توفر قروضاً ميسرة تصل قيمتها إلى 175 مليار دولار لمشاريع دفاعية تعاونية. ولا تستطيع هذه البرامج (ولا البرامج المستقبلية المماثلة) تلبية الطلب المالي المستمر للصناعات الدفاعية ضخمة الكلفة، كما أنها تبقى متواضعة مقارنة بخطة ألمانيا لإنفاق أكثر من 750 مليار دولار على الدفاع خلال السنوات الأربع المقبلة.
ويقول صانعو السياسات الألمان إنهم لا يرغبون في تحمل فاتورة إنفاق محلي مفرط من جانب حكومات في الاتحاد الأوروبي يرونها أقل مسؤولية مالياً، لا سيما في وقت يشهد فيه اقتصاد بلادهم ركوداً. إلا أن هذا التبرير ينطوي على نبرة تعال أخلاقي: فقد استفادت برلين لسنوات طويلة من موازنات متوازنة ونمو اقتصادي مدفوعين بالصادرات إلى الصين وبالطاقة الروسية الرخيصة، من دون اكتراث يذكر بالأخطار السياسية المترتبة على تمويل نزعة بكين الاندفاعية وعدوانية موسكو. كما أن الموقف الألماني قصير النظر، فمن مصلحة برلين أن تسمح لأجزاء أخرى من أوروبا بالإنفاق بسخاء على الدفاع من دون الاضطرار إلى تقليص الرفاهية الاجتماعية. فمثل هذه التخفيضات، في نهاية المطاف، تؤدي إلى ردود فعل شعبوية، مما سيقوض الوحدة في شأن أوكرانيا والجهود الدفاعية في مواجهة روسيا، وهو السبب الرئيس الذي يستدعي زيادة الإنفاق الدفاعي أصلاً.
تقول برلين إنها تسعى إلى شراكات مع حكومات أوروبية أخرى، كي يعود إنفاقها الدفاعي بالنفع على المحيط الأوروبي كله. ومن منظورها، حتى لو حصدت الشركات المحلية النصيب الأكبر، فالكعكة كبيرة بما يكفي ليحصل الجميع على حصته. وترى برلين أيضاً أن نشر قوات ألمانية في دول البلطيق، وربما في دول أخرى لاحقاً، يمثل تطميناً كافياً بأنها تراعي مصالح أوروبا، ولا تركز على إعادة تسليحها وحدها. لكن منح الدول الأخرى "حصة من الكعكة" لن يكون، على الأرجح، كافياً لإسكات القلق من الهيمنة الألمانية، خصوصاً في ظل تراجع الولايات المتحدة والضبابية التي تكتنف مستقبل "الناتو". فمع كل الحماسة الحالية لتعزيز القدرات الدفاعية الألمانية، بدأ كثيرون يتساءلون كيف تنوي برلين إدماج تفوقها العسكري والصناعي داخل أوروبا. إنهم يريدون ألمانيا تتحمل نصيبها من العبء، لا أن تلقي بثقلها على الآخرين.
القوة تثير الفزع
يتجاهل صانعو السياسات الألمان مثل هذه المخاوف، فهم يجادلون بأن جيران ألمانيا لا يمكنهم الحصول على برلين ضعيفة وقوية في آن واحد قادرة على الدفاع عن أوروبا، ويبدو أن موقفهم من القلق الأوروبي يتمثل في أن القارة، ما دامت قد طالبت بتعاظم القدرات العسكرية، فلا يحق لها الشكوى من نتائجه.
لكن هذه الحجة لن تبدد المخاوف في شأن الهيمنة الألمانية، فباريس لا تستسيغ فكرة أن تصبح ألمانيا القوة العسكرية المهيمنة في أوروبا، لأنها ترى أن هذا الدور يعود لفرنسا. كما ستراقب عن كثب أي مؤشرات على أن ألمانيا قد تطمح يوماً إلى امتلاك أسلحة نووية، وهو المجال الوحيد المتبقي الذي تتفوق فيه فرنسا. ويخشى بعض المسؤولين البولنديين من أن تشعر ألمانيا القوية عسكرياً في يوم ما بأنها حرة في إعادة بناء علاقات ودية مع روسيا. وقد أعرب بولنديون كثر، وليس أنصار حزب القانون والعدالة الشعبوي فحسب، عن مخاوفهم من أن تؤدي هيمنة ألمانية إلى تهميش دور الدول الأصغر في الاتحاد الأوروبي، وأن تستخدم برلين قوتها لإكراه تلك الدول.
ولا يحتاج المحللون الذين يسعون إلى فهم أسباب الخوف الأوروبي من الهيمنة الألمانية إلى الرجوع قرناً إلى الوراء،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
