سلمى مصفي لم تكن مشروع نجمة تقليدي، بل صوتًا مختلفًا رافق زياد الرحباني في تجربة تمردت على السائد وبقيت في الذاكرة.. اقرأوا القصة كاملة عبر موقعنا. وأي أغنية ما زلتم تحفظونها لها؟

حين يصادفك اسم سلمى مصفي، ستتذكر ذلك الصوت الطفولي، المتمرد على إيقاعات الجاز والبوسانوفا، مصنوعًا بسحر زياد الرحباني في تفكيك عُقد العلاقات العاطفية. لكن سلمى ظلت مشروعًا استثنائيًا أشبه بجرعة واحدة للباحثين عن الاختلاف.

يتسلل صوت سلمى مصفي بجوار بيانو زياد الرحباني وهي تغني: "كل الأحاديث ما بتفيد/ مادامك مش معي، والأسوأ مش وحيد" فتُشرِّح علاقةً متأرجحة بين الغياب والحضور، أو تعلن تمردها على ذكورية حبيبها حين تغني: "مش إنت الزير.. ومني نفرتيتي!".

ولكن أغلب الظن أن صوت سلمى نفسه، وأغانيها مع زياد، كانا انعكاسًا لعلاقة متأرجحة بين اللبنانيين ووطنهم؛ علاقة يتصارع فيها قبول الواقع ورفضه: الحب على دويّ الحرب، والتمسك بالوطن في مقابل المنفى الاختياري لاحقًا.

سلمى مصفي لم تكن مشروع نجمة. لم تدخل السوق من بابه الواسع، ولم تُقدَّم كامتداد لأحد. كانت ابنة بيروت التي بدأت الغناء بالإنجليزية في سن مبكرة، عبر فرقة صغيرة أسستها لإحياء حفلات الجامعات.

صوتها لا يشبه أحدًا!

من حفل بجامعة بيروت عام 1986 التقطت أذن زياد الرحباني صوتها، وهي في سن الثامنة عشرة. وحين سمعها سأل الحاضرين: "من هذه الفتاة؟ صوتها لا يشبه أي صوت".

مشروع زياد الرحباني الموسيقي بدا طليعيًا متمردًا، واحتاج إلى أصوات غير تقليدية تعبّر عن هذا التمرد، في تلك الأثناء كان زياد يُسجّل ألبوم "هدوء نسبي"، فدعاها إلى الحضور إلى الاستوديو، وعرض عليها مشاركته أغنية "روح خبر".

x

وافقت وغنّت، ومنذ تلك اللحظة بدأت حكاية أكبر من تعاون فني، بل تقاطع مزاجين: مزاج ملحن متمرد على الطائفية والانحيازات السياسية، ومزاج صوت يرفض الطرب التقليدي دون أن يدّعي الحداثة.

كان "هدوء نسبي" أشبه بطبخة لبنانية المذاق يطهوها زياد بين الجاز والبوسانوفا وأصوات تغني خارج السياق. ومن خلاله أصبحت سلمى قطبًا ثانيًا إلى جوار جوزيف صقر؛ صوتان كانا مثل شريطي القطار الذي سار عليه مشروع زياد المتمرد على الأغنية اللبنانية وواقعها السياسي والاجتماعي.

قدمها زياد كممثلة ومغنية في مسرحياته مثل "لولا فسحة الأمل"، وشاركته حلقات برنامجه الإذاعي "العقل زينة" بإذاعة "صوت الشعب" عام 1987، لينتقِدا الأوضاع السياسية، فاستمع إليه الجميع، سواء سكان بيروت الشرقية أو الغربية. اختلفوا على كل شيء واتفقوا على هذا البرنامج فقط!

وهكذا سارت الرحلة بين الغناء في الكورال والمسرحيات و الحفلات، إلى أن عاد زياد ليقدمها مع جوزيف صقر في ألبوم "بما إنو" عام 1995. كانت تجربة موسيقية ثورية تمزج الموسيقى الشرقية والتراثية بالجاز والبوسانوفا، وقدمت سلمى مع جوزيف حوارًا غنائيًا رائعًا في "قلتيلي حبيتك".

يومًا بعد آخر رأى زياد في صوت سلمى صدى للمطربة البرازيلية Astrud Gilberto؛ تلك الطفولة والعفوية التي قدّمت بها أغاني البوسانوفا. فسعى لتقديم ألبوم مشابه معها، لكن المشروع ظل في طور الإعداد لسنوات.

تحكي سلمى في لقاء صحفي سابق لصحيفة "السفير" اللبنانية، فتقول: اتصل بي زياد بعد سنوات من العمل والتوقف وقال: "فلننجز هذا السي دي. ليكن لنا نحن، حتى لو لم يبع نسخة واحدة".

أجبته: "لنفعلها، حتى لو كان للتسلية فقط". وهكذا وُلد ألبوم "مونودوز".

"مونودوز" جرعة واحدة تكفي !

عندما صدر "مونودوز" عام 2001، لم يكن مجرد ألبوم. كان بيانًا صغيرًا ضد السائد. أول ألبوم يقدمه زياد لصوت نسائي خارج ظل فيروز، وبفلسفة واضحة مرتكنا لمصطلح طبي "مونودوز": جرعة واحدة. إما أن تنفعك أو لا.

ليس محاولة لإرضاء الإذاعات، ولا مجاملة للذوق العام. الجاز والبوسانوفا حاضران، لكن بلهجة لبنانية خالصة، وبكلمات تقترب من الاعترافات الخاصة.

برزت فيه أغنيات أصبحت دليلًا في تناول العلاقات المعقدة، مثل "كل الأحاديث ما بتفيد"، أغنية كاشفة لألم امرأة في علاقة تفتقد حضورًا وأمانًا من رجل قد تشاركها فيه أخريات.

في أغنية "ولعت كتير"، كتب زياد خطابًا نسويًا ساخرًا من رجل متسلط بلا مميزات حقيقية. قيل وقتها إن زياد سخر من حياته الخاصة في هذه الأغنية.

ولم يخلُ العمل من أغنيات عن مشاهد الحياة اليومية والهم الإنساني مثل "مامنيحة الرسالة" و"مش بس تلفنلي" و"بتموت".

برزت سلمى مصفي كصوت أقرب إلى "كاركتر" يعبّر عن صاحبته، بعيدة عن مقاييس السوق ومتطلباته. فلم يكن غريبًا أن تختار حياتها الشخصية وتتوقف بعد هذا الألبوم، لتهتم بطفليها وتستقر مع زوجها في باريس.

الحنين على نغم "البوسانوفا"

عادت عام 2006 بألبوم "سلمى نوفا"، مستوحى بالكامل من البوسانوفا. هذه المرة كتبت بنفسها، وغنّت كأنها تتحرر من ظل زياد دون أن تتنكر له. كان التأثير حاضرًا في الجرأة والمباشرة، لكن الصوت صار أكثر ذاتية، أقل انشغالًا بالسياق السياسي وأكثر انشغالًا بالحنين إلى بيروت، إلى زمن كانت فيه الأغنية مساحة مقاومة صغيرة.

ومع ذلك، لم تتحول العودة إلى مسار دائم. بقيت التجربة محدودة، أقرب إلى دفتي كتاب قصير. بدت سلمى كأنها تقول: الجودة ليست في التراكم، بل في الأثر.

حين دعاها زياد عام 2019 لمشاركته جولة فنية في فرنسا وإنجلترا، بدت الدعوة كأنها استعادة لذاكرة مشتركة أكثر من كونها مشروعًا جديدًا. حفلان ناجحان، وصوت يعود للحظة إلى مكانه الأول: إلى جوار بيانو يعرفه جيدًا. لم يكن الأمر عودة كاملة، بل تحية أخيرة لسنوات من الشراكة الفنية والإنسانية، أو لحظة وداع مبكرة لزياد الذي رحل عنا في صيف 2025.

سلمى مصفي لم تكن مشروعًا ناقصًا، بل كانت جرعة كاملة واحدة "مونودوز" واختارت أن تنتهي قبل أن تُستهلَك.


هذا المحتوى مقدم من بيلبورد عربية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بيلبورد عربية

منذ 6 ساعات
منذ 3 ساعات
موقع سفاري منذ 30 دقيقة
موقع سفاري منذ 32 دقيقة
مجلة نقطة العلمية منذ 19 ساعة
موقع سائح منذ 20 دقيقة
موقع سائح منذ 17 ساعة
العلم منذ ساعتين
العلم منذ 15 ساعة
موقع سفاري منذ 40 دقيقة