عمان - الدستور - نضال برقان
«السردية الأردنية.. الأرض والإنسان» مبادرة وطنية أطلقتها وزارة الثقافة، بتوجيهات ملكية سامية، لتوثيق المسار الثقافي والاجتماعي للأردن، وتعزيز الوعي بالهوية الوطنية والانتماء. يسعى المشروع إلى رواية حكاية الإنسان الأردني الذي تجذّر في أرضه، وأسهم في بناء دولته عبر محطات مفصلية من التاريخ، مستندًا إلى قيم الصمود والبناء والتنوع، ومؤكدًا شمولية الحكاية بوصفها قصة مجتمع لا نخبة فقط.
في سياق هذا المشروع الوطني، نحاور كوكبة من المبدعين الأردنيين، سعيًا إلى مقاربة دور الإبداع في تشكيل الوعي الجمعي، وقراءة موقع الكاتب داخل هذه السردية. ووقفتنا الآتية مع الأستاذة الدكتورة أماني غازي جرار، وهي أستاذة جامعية وباحثة ومستشارة دولية أردنية، تتمتع بخبرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود في مجالات الفلسفة والتربية السياسية وبناء السلام والتنمية المستدامة وحقوق الإنسان. يربط عملها بين الأوساط الأكاديمية والدبلوماسية والاستشارات الدولية، إذ تُشكل برامج وسياسات تُعزز القيم الديمقراطية والمشاركة المدنية والنمو المؤسسي من خلال التفكير النقدي والحوار متعدد التخصصات. تعمل حاليا مساعد الأمين العام لمنتدى الفكر العربي لشؤون الدراسات والبحث والتطوير، وبروفسورة جامعية عملت في جامعة فيلادلفيا وجامعة البترا..
كيف تقرئين مفهوم «السردية الأردنية» من موقعك كباحثة؟ هل ترينه خطابًا جامعًا، أم مساحة مفتوحة لتعدد الأصوات والتجارب؟
- يمكن قراءة مفهوم السردية الأردنية بوصفه إطاراً معرفياً يتجاوز كونه خطاباً ثقافياً أو روايةً رسميةً للأحداث. من موقعي كباحثة ومهتمة بالشأن الفكري، أرى أن السردية ليست نصاً مغلقاً يُعاد إنتاجه، بل عمليةً تاريخيةً مستمرةً تتشكل عبر التفاعل بين الدولة والمجتمع، وبين الذاكرة والواقع، وبين التجربة الفردية والجماعية. إنها محاولة واعية لترتيب المعنى في مسار وطن تشكّل عبر محطات مفصلية من التأسيس إلى البناء ومواجهة التحولات الإقليمية والعالمية.
لا أنظر إليها خطاباً إقصائياً، بل مساحةً تتسع لتعدد الأصوات ضمن أفق وطني مشترك، يعكس تنوع الريف والمدينة، المرأة والرجل، الأجيال والشباب، ومختلف البيئات الثقافية. غير أن هذا التعدد يحتاج إلى مركز قيمي يحفظ تماسكه، يقوم على الدولة وسيادة القانون والمواطنة المتساوية والكرامة الإنسانية، بحيث يتحول التنوع إلى ثراء داخل مشروع وطني جامع.
أين تضعين تجربتك الإبداعية داخل هذه السردية؟ هل تشعرين أنك تكتبين من الداخل، أم من هامش يعيد تعريف المركز؟
- أرى تجربتي داخل السردية الأردنية بوصفها كتابةً تنتمي إلى الداخل، لكنها لا تتعامل معه بوصفه بنيةً مكتملةً أو حقيقةً نهائية، بل مجالاً مفتوحاً للتفكير وإعادة التأطير. الداخل عندي بالنسبة لهذه السردية ليس موقعاً مستقراً، بل فضاءً حوارياً يتجدد عبر التفاعل بين التجربة الفردية والوعي الجمعي، وبين الذاكرة الوطنية وأسئلة الحاضر. أحاول أن أكتب من قلب الانتماء، بعينٍ نقدية ترى أن محبة الوطن تقتضي المساءلة والمتابعة الحثيثة بقدر ما تقتضي الاحتفاء به.
أؤمن أن الإبداع فعل كشفٍ وإضاءة، وتفاعل حقيقي، لا ترفاً ثقافياً. هو وسيلة لإعادة قراءة الذات الوطنية، والذات الفاعلة حضاريا، واستحضار ما غاب عن الخطاب السائد، وإبراز التفاصيل التي تشكّل النسيج العميق للسردية الأردنية. أحاول أن أكتب من الداخل الفكري الناقد حين أستدعي قيم الصمود والبناء والتكافل، وأكتب من تخومه، حين أطرح الأسئلة المقلقة في تحدياتها وأسعى أن أفكك الصور النمطية، ولا سيما ما يتعلق بأدوار الفئات المختلفة، مثل المرأة، وغيرها من فئات المجتمع.
إلى أي حد شكّل المكان الأردني وذاكرته ملامح كتابتك؟ وهل تحضر الأرض في نصوصك بوصفها ذاكرة أنثوية أيضًا؟
- أسعى جاهدة أن يشكّل المكان الأردني والإنسان وذاكرته ركناً أساسياً في كتابتي، لا بوصفه خلفيةً جغرافية، بل باعتباره حاملاً للمعنى ومكوِّناً للهوية. المكان عندي كائنٌ حيٌّ يسكن اللغة ويستدعي التاريخ، ويحتفظ بأثر الإنسان الذي عبره. من عمّان بتنوعها العمراني والاجتماعي، إلى القرى والبادية والأغوار، يتكوّن وعيٌ سردي يرى في التضاريس امتداداً للذاكرة الجمعية، وفي التفاصيل اليومية مرآةً لتحولات المجتمع عبر الزمن.
ذاكرة المكان ليست حنيناً عابراً، بل مخزوناً ثقافياً وأخلاقياً يعيد صياغة العلاقة بين الفرد والوطن. حين أستحضر منطقةً تاريخية، أو شجرةً عتيقة، أو نهر الأردن والصحراء، فإنني أستدعي طبقاتٍ من القيم التي صاغت الشخصية الأردنية: الصبر، والتكافل، والإصرار على الحياة. يصبح المكان نصاً موازياً للنص، ومرجعاً خفياً للمعنى.
هل ترين أن صوت المرأة الأردنية أخذ موقعه العادل في الحكاية الوطنية، أم ما زال بحاجة إلى إعادة إنصات وقراءة أعمق؟
- أرى أن صوت المرأة الأردنية حقق حضوراً متقدماً داخل الحكاية الوطنية، سواء عبر مشاركتها الفعلية في بناء الدولة أو من خلال إسهامها الثقافي والفكري. فقد كانت شريكةً في التعليم والعمل العام والعمل التطوعي، وأسهمت في تشكيل الوعي الاجتماعي والسياسي بأدوارٍ لم تعد قابلةً للتجاهل. هذا التحول يعكس تغيراً بنيوياً في المجتمع، ويؤكد أن حضور المرأة لم يعد هامشياً كما كان في مراحل سابقة.
ومع ذلك، فإن اكتمال العدالة السردية لم يتحقق بعد. ما تزال تجارب نسائية كثيرة، خصوصاً في القرى والبادية والمخيمات، حبيسة الذاكرة الخاصة أو الشهادة الشفوية، ولم تتحول إلى جزءٍ راسخٍ من السردية الوطنية. الإشكال ليس في إثبات الوجود، بل في عمق القراءة ونوعيتها.
حين يُقال إن «الإنسان الأردني صنع التاريخ»، كيف تتجلى صورة المرأة في هذا السياق داخل نصوصك؟
- حين يُقال إن الإنسان الأردني صنع التاريخ، أحرص في كتابتي على أن تكون المرأة جزءاً أصيلاً من هذه العبارة، لا استثناءً يُلحق بها. فهي في نصوصي ليست شاهدةً من خلف الستار، بل فاعلةٌ في صناعة التاريخ، حتى وإن تجلت أدوارها في مساحاتٍ غير صاخبة. فالتاريخ لا يُصنع فقط في ميادين السياسة، بل في البيوت والمدارس وميادين العمل اليومي، حيث كانت المرأة حاضرةً بصبرها ومسؤوليتها وإسهامها العميق.
أستعيد صورة المرأة بوصفها حاملةً للذاكرة، وحارسةً للقيم، ومربيةً لأجيالٍ واصلت البناء. هي الأم والمعلمة والطبيبة والموظفة، شريكةٌ في ترسيخ مؤسسات الدولة وفي صياغة الوعي الجمعي. كما أُبرز قدرتها على الصمود وإعادة تشكيل ذاتها في ظل التحولات دون أن تفقد اتصالها بجذورها. لذلك، حين أكتب عن الإنسان الأردني صانع التاريخ، أكتب المرأة في قلب الصورة، بوصفها شريكاً كاملاً في مشروع الوطن، وعنصراً لا يكتمل السرد الوطني من دونه.
كيف يمكن للكاتبة والباحثة أن تقترب من محطات مفصلية في تاريخ الأردن مثل الثورة العربية الكبرى أو معركة الكرامة من زاوية إنسانية مختلفة؟
- يمكن للكاتبة والباحثة أن تقترب من محطاتٍ مفصليةٍ في تاريخ الأردن، كالثورة العربية الكبرى أو معركة الكرامة، عبر زاويةٍ إنسانيةٍ تتجاوز سرد الوقائع إلى استنطاق التجربة الكامنة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور الأردنية
