تشهد التجارة العالمية مرحلة إعادة تشكّل حاسمة، مع تسارع مراجعة الحكومات والشركات لخرائط سلاسل الإمداد في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية. فبعد سنوات من السعي إلى الكفاءة القصوى وخفض التكاليف، باتت الأولوية اليوم لبناء شبكات توريد أكثر قدرة على الصمود والتكيف مع الصدمات، سواء كانت عسكرية أو سياسية أو اقتصادية.
ويأتي التصعيد الأخير في الشرق الأوسط ليعيد تسليط الضوء على هشاشة التدفقات التجارية العالمية، ويؤكد كيف يمكن لتطورات إقليمية محدودة زمنياً أن تنعكس سريعاً على أسواق الطاقة والشحن وسلاسل التوريد العابرة للحدود.
تقرير حديث صادر عن «المنتدى الاقتصادي العالمي» أشار إلى أن المتغيرات الجيوسياسية لم تعد مجرد عامل خارجي في حسابات الشركات، بل تحولت إلى عنصر مركزي في قرارات الاستثمار والإنتاج. ووفق التقرير، تتجه الشركات العالمية بوتيرة متسارعة إلى إعادة هيكلة شبكاتها الإنتاجية على أسس أكثر تنوعاً ومرونة، بما يقلل الاعتماد على موردين أو ممرات تجارية بعينها.
إغلاق كامل لمضيق هرمز.. فهل يقلب النفط معادلة حرب إيران؟
ممرات الطاقة تحت المجهر
انعكست التطورات العسكرية في الشرق الأوسط سريعاً على أسواق الطاقة العالمية، إذ ارتفعت أسعار النفط والغاز الطبيعي بعد الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، وسط مخاوف من تأثير أي تصعيد إضافي على أمن الإمدادات.
وسجّل خام برنت، المعيار العالمي لأسعار النفط، تداولات قرب 81 دولاراً للبرميل في 4 مارس، بعد موجة ارتفاعات حادة في الأيام السابقة، مع تركيز الأسواق على تداعيات التوترات الإقليمية على تدفقات الطاقة.
في هذا السياق، يبرز «مضيق هرمز» بوصفه أحد أكثر نقاط الاختناق حساسية في التجارة العالمية، إذ يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، إضافة إلى حصة مماثلة من شحنات الغاز الطبيعي المسال. وتشير بيانات الملاحة البحرية إلى وجود نحو 150 سفينة في نطاق المضيق خلال الفترة الأخيرة، بين ناقلات نفط وغاز وسفن شحن، في إطار الحركة المعتادة للتجارة البحرية في المنطقة.
ويرى التقرير أن البنية التحتية المتقدمة لموانئ الخليج وممرات الطاقة تشكّل ركناً أساسياً في استقرار التجارة العالمية، ما يجعل أي تطورات أمنية في المنطقة محل متابعة دقيقة من الأسواق الدولية وشركات الشحن والطاقة.
سلاسل الإمداد.. من الكفاءة إلى المرونة
دفعت هذه البيئة المضطربة الشركات العالمية إلى إعادة التفكير في نماذج التوريد التقليدية. فبدلاً من الاعتماد على أقل التكاليف، باتت الأولوية لتعدد مصادر الإمداد، وتعزيز القدرة على إعادة توجيه التدفقات التجارية عند الحاجة، وتقليل التعرض لمخاطر التركز الجغرافي.
ويشير تقرير «توقعات سلاسل القيمة العالمية 2026» الصادر عن المنتدى إلى أن الحكومات والشركات أدخلت أكثر من 3000 إجراء جديد في سياسات التجارة والصناعة خلال عام 2025 وحده، وهو مستوى يفوق بأكثر من ثلاثة أضعاف ما كان عليه قبل عشر سنوات.
ووفق التقرير، يرى 74% من قادة الأعمال حالياً أن تعزيز قدرة سلاسل الإمداد على التكيف لم يعد عبئاً مالياً، بل محركاً للنمو وفرصة لتعزيز التنافسية في بيئة عالمية تتسم بعدم اليقين.
فرقاطة تابعة للبحرية الأميركية مع سفن من خفر السواحل أثناء عبورها مضيق هرمز بتاريخ 24 يونيو 2022.
ارتدادات قانونية تعيد خلط الأوراق
تتزامن هذه التحولات مع تغيرات عميقة في السياسات التجارية العالمية، لا سيما في الولايات المتحدة. فقد أصدرت المحكمة العليا الأميركية حكماً بأغلبية 6 مقابل 3 يقضي بأن استخدام إدارة الرئيس دونالد ترامب «قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية» لفرض رسوم جمركية واسعة تجاوز الصلاحيات الدستورية الممنوحة للرئيس.
وأطلق الحكم موجة تحركات سريعة في السياسة التجارية الأميركية، إذ أعلنت الإدارة فرض تعرفة جمركية عالمية بنسبة 10% على جميع الواردات بموجب المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، على أن تدخل حيز التنفيذ في 24 فبراير، مع إمكانية رفعها إلى 15% لمدة تصل إلى 150 يوماً ما لم يمددها الكونغرس.
وأدى القرار أيضاً إلى تعليق البرلمان الأوروبي مؤقتاً العمل على اتفاق تجاري محتمل بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بانتظار توضيحات قانونية إضافية من واشنطن. كما أجلت الولايات المتحدة والهند جولة محادثات تجارية كانت مقررة في واشنطن لدراسة التداعيات القانونية والاقتصادية للحكم.
وبحسب تقرير لصحيفة فايننشال تايمز، رفعت أكثر من 900 شركة دعاوى قضائية ضد البيت الأبيض اعتراضاً على نظام الرسوم الجمركية، فيما قد تتجاوز قيمة المبالغ التي قد تضطر الحكومة إلى ردها 160 مليار دولار.
ضمانات ترامب لمضيق هرمز لا تبدد مخاوف شركات الشحن البحري
اختلالات تجارية تعيد توزيع الإنتاج
تعكس البيانات التجارية الأميركية حجم الضغوط التي تواجهها أكبر اقتصاد في العالم. فقد بلغ عجز تجارة السلع في الولايات المتحدة 1.24 تريليون دولار في عام 2025، وهو أعلى مستوى على الإطلاق، بزيادة 2.1% مقارنة بعام 2024.
وخلال ديسمبر وحده، اتسع عجز تجارة السلع والخدمات بنسبة 32.6% ليصل إلى 70.3 مليار دولار، مع تراجع الصادرات وارتفاع الواردات رغم فرض الرسوم الجمركية الواسعة.
وسجّلت واردات السلع الأميركية مستوىً قياسيّاً بلغ 3.44 تريليون دولار في 2025، مدفوعة بالطلب القوي على السلع الرأسمالية، لا سيما الحواسيب ومعدات الاتصالات.
كما أظهرت البيانات تحولاً في خريطة الشركاء التجاريين، إذ انخفضت الواردات من الصين بنحو 130.4 مليار دولار لتصل إلى 308.4 مليار دولار، مقابل ارتفاع كبير في الواردات من اقتصادات آسيوية أخرى، أبرزها تايوان وفيتنام، بزيادات بلغت 85.2 مليار دولار و57.3 مليار دولار على التوالي.
اتفاقيات جديدة في سباق إعادة التموضع
في موازاة ذلك، تتسارع الجهود لإعادة رسم خريطة التجارة العالمية عبر اتفاقيات وشراكات جديدة. ففي نهاية يناير، توصلت الهند والاتحاد الأوروبي إلى اتفاق تجارة حرة بعد مفاوضات استمرت نحو عقدين، ما أدى إلى إنشاء منطقة تجارة تضم قرابة ملياري شخص وتمثل نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
كما زار المستشار الألماني فريدريش ميرتس بكين في فبراير سعياً لتعزيز العلاقات الاقتصادية مع الصين، التي أصبحت أكبر شريك تجاري لألمانيا في عام 2025 بحجم تبادل بلغ نحو 296 مليار دولار.
وفي جنوب شرق آسيا، أبرمت الولايات المتحدة وإندونيسيا اتفاقاً تجارياً في 19 فبراير يتضمن رسوماً جمركية متبادلة بنسبة 19% على السلع الإندونيسية، انخفاضاً من مستوى كان مطروحاً سابقاً عند 32%.
وفي سياق تعزيز أمن الإمدادات، أعلنت واشنطن في 2 فبراير إطلاق مبادرة «مشروع فولت» بقيمة 12 مليار دولار لإنشاء احتياطي استراتيجي من المعادن الحيوية، بتمويل يشمل قرضاً بقيمة 10 مليارات دولار من بنك التصدير والاستيراد ونحو ملياري دولار من رأس المال الخاص، في خطوة تستهدف دعم سلاسل الصناعات المتقدمة.
«تعزيز قدرة سلاسل الإمداد على التكيف لم يعد استجابة ظرفية للأزمات» وفق محللي المنتدى، بل تحوّل إلى «ركيزة أساسية في استراتيجيات الشركات العالمية لإدارة التجارة والاستثمار، في عالم تتزايد فيه التوترات ويتراجع فيه اليقين الاقتصادي».
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

