مَنْطِقٌ هادِفٌ يَلْمِسُ الْواقِعَ وَيَرْسُمُ طَرِيقًا فِي مُعالَجَةِ أَمْرٍ حَيَوِيٍّ نَعِيشُهُ بِمَعْنَى الْكَلِمَةِ فِي كَيْفِيَّةِ التَّعامُلِ مَعَ كِبارِ السِّنِّ بِالْمَوَدَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَمَشاعِرَ فَيَّاضَةٍ تَفِيضُ بِالْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ وَحُسْنِ الْمُعاشَرَةِ، وَاعْتِبارِ أَيِّ كَبِيرٍ فِي السِّنِّ سَواءً كانَ جَدًّا أَوْ أَبًا أَوْ أُمًّا أَوْ قَرِيبًا أَنْ يُؤْخَذُوا بِعَيْنِ الِاعْتِبار وَالْعِنايَةِ الْفائِقَةِ وَاللَّائِقَةِ الَّتِي تَتَناسَبُ وَأَعْمارَهُمْ، فَهُمْ مُحْتاجُونَ إِلَى قُلُوبٍ حانِيَةٍ وَرَحِيمَةٍ تَتَعامَلُ مَعَهُمْ بِكُلِّ لُطْفٍ وَإِعْطائِهِمُ الْفُرْصَةَ لِيُعَبِّرُوا عَمَّا يَدُورُ فِي خَلَجاتِ قُلُوبِهِمْ، بَلْ مُشارَكَتِهِمْ كُلَّ شارِدَةٍ وَوارِدَةٍ لِيُعَبِّرُوا عَنْها بِكُلِّ أَرِيحِيَّة، لِيَحِسُّوا أَنَّهُمْ ما زالُوا رَقْمًا صَعْبًا فِي تَقْرِيرِ وَتَحْلِيلِ بَعْضِ الْمَشاكِلِ الشّائِكَةِ الَّتِي يُعانِي مِنْها أَقْرَبُ النّاسِ إِلَيْهِمْ، وَذَلِكَ لِما يَمْلِكُونَ مِنَ الْخِبْرَةِ وَالتَّجارِبِ الَّتِي مَرُّوا بِها خِلالَ مَراحِلِ أَعْمارِهِمْ، وَأَنْ نُخَصِّصَ وَقْتًا فِي الْجُلُوسِ مَعَهُمْ لِمُؤانَسَتِهِمْ كَيْ لا يَسْتَوْحِشُوا مِنَ الْفَراغِ الْقاتِل، وَأَنَّهُمْ أَصْبَحُوا عَلى هامِشِ الْحَياةِ وَأَرْقامًا لَيْسَتْ ذاتَ قِيمَةٍ تُذْكَر، وَهٰذا هُوَ ما حَصَلَ عِنْدَ بَعْضِ الْعَوائِلِ الَّتِي تَراهُمْ عِبْئًا عَلَيْها فِي خِدْمَتِهِمْ وَتَطْبِيبِهِمْ وَإِطْعامِهِمْ، بَلْ هُناكَ مَنْ يَرَى إِدْخالَهُمْ إِلى دارِ رِعايَةِ الْمُسِنِّينَ بِتَحْرِيضٍ مِمَّنْ هُمْ فِي مَوْقِعِ الْمَسْؤُولِيَّةِ الْمَنْزِلِيَّةِ، وَالْأَدْهَى مِنْ ذٰلِكَ كُلِّهِ عَدَمُ التَّواصُلِ مَعَهُمْ وَانْقِطاعُ الزِّيارَةِ عَنْهُمْ مُدَدًا طَوِيلَةً، مِمَّا يُوَلِّدُ لَهُمُ الْيَأْسَ وَالِاكْتِئابَ وَالرَّغْبَةَ فِي مُغادَرَةِ هٰذِهِ الْحَياة، وَأَنْ يَأْخُذَ اللهُ أَمانَتَهُ، خاصَّةً إِذا كانَ لا يَعْتَمِدُ عَلى نَفْسِهِ فِي أَبْسَطِ الْأُمُورِ.
وَتَناسَى أُولٰئِكَ الْجاحِدُونَ أَنَّ هٰؤُلاءِ النّاسَ مِنْ كِبارِ السِّنِّ كانُوا لَهُمْ فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيّامِ عَوْنًا وَظَهِيرًا، وَقَدْ ضَحَّوْا بِأَعْمارِهِمْ وَجُهْدِهِمْ وَأَوْقاتِهِمْ فِي إِسْعادِ أُولٰئِكَ النّاكِرِينَ لِكَيْ يَعِيشُوا حَياةً كَرِيمَةً وَهانِئَةً، وَلَمّا حانَ رَدُّ الْجَمِيلِ نَسُوا كُلَّ ذٰلِكَ، وَأَخَذُوا يَتَسابَقُونَ فِي وَضْعِهِمْ فِي دارِ الْمُسِنِّينَ مِنْ غَيْرِ خَجَلٍ أَوْ تَأْنِيبِ ضَمِيرٍ، وَيَتَمَثَّلُ ذٰلِكَ فِي قَوْلِ الشّاعِرِ الَّذِي جَسَّدَ هٰذِهِ الصُّورَةَ بِكُلِّ حَذافِيرِها حِينَما قالَ:
«أُعَلِّمُهُ الرِّمايَةَ كُلَّ يَوْمٍ
فَلَمّا اشْتَدَّ ساعِدُهُ رَمانِي».
فَلْنُراجِعْ أَنْفُسَنا وَحِساباتِنا قَبْلَ أَنْ يَفْلِتَ الزِّمامُ مِنْ عِقالِهِ ويَنْطَبِقَ عَلَيْنا الْمَثَلُ الْقائِلُ: «كَما تَدِينُ تُدانُ».
فَكِبارُ السِّنِّ هُمْ ثَمَرَةُ وَبَرَكَةُ هٰذِهِ الْحَياةِ، وَأَنْ نَغْتَنِمَ كُلَّ فُرْصَةٍ فِي إِسْعادِهِمْ وَإِدْخالِ السُّرُورِ عَلَيْهِمْ، وَتَهْيِئَةِ كُلِّ الظُّرُوفِ لِذٰلِكَ مِنْ غَيْرِ مَنٍّ وَلا فَضْل، بَلْ هُوَ الْواجِبُ الدِّينِيُّ وَالْأَخْلاقِيُّ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْنا جَمِيعًا أَنْ نَتَسابَقَ إِلى فِعْلِهِ وَالْقِيامِ بِهِ وَاللهُ الْمُوَفِّقُ.
هذا المحتوى مقدم من خليج الديرة
