حولت غارات أمريكية إسرائيلية ليل طهران إلى نهار باستهداف مستودعات النفط.. .

تحول الليل إلى نهار في لمح البصر فوق سماء العاصمة الإيرانية طهران ومدينة كرج المجاورة، لتصبح هذه هي الصورة العالقة في أذهان السكان إثر تعرض عدة مستودعات للنفط لضربات قاسية نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل في جنح الظلام.

وقد أكدت وكالات الأنباء المحلية هذا الاستهداف استنادًا إلى معلومات وتصريحات من مصدر في وزارة النفط الإيرانية، في حين ظهرت ملامح الدمار جلية في مقاطع مصورة وثقت شوارع تحترق في طهران بالقرب من أحد المستودعات، حيث يُسمع صوت رجل يؤكد اشتعال النيران في المتاجر والمنازل المحيطة.

وقد وصف أحد السكان اللحظة المرعبة لشبكة «بي بي سي» التي تحتفظ بهويات المتحدثين لحمايتهم، قائلًا «كان الأمر كما لو أن الليل تحول إلى نهار».

وفي كرج الواقعة غرب العاصمة، عاش الأهالي صدمة مماثلة بعد فترة وجيزة من الهدوء المتقطع، إذ يقول أحد سكان المدينة «كانت كرج هادئة ليوم واحد ولكنها الآن أصبحت متوحشة مرة أخرى لقد فجروها». وتكتمل الصورة بما يرويه شاب آخر في الثلاثينيات من عمره يقيم في كرج عن تسلسل الأحداث المرعبة، موضحًا «بدأ الأمر بضوء أحمر أضاء كل شيء تلته موجة هزت الباب»، ليتابع وصف المشهد بعد صعوده إلى سطح منزله ورؤيته لمستودع النفط المحلي يحترق، قائلًا «ثم أضاءت السماء مرة أخرى وظهرت سحابة حمراء ضخمة. لم نكن نعرف ما يحدث».

ويتطابق هذا الوصف تمامًا مع شهادة رجل آخر من كرج أوضح أن الضربة التي استهدفت المستودع تسببت في «انفجار ضخم واشتعلت فيه النيران لساعات».

سحب سامة تخنق العاصمة لم يقتصر أثر الهجمات على النيران المرعبة والموجات الانفجارية المباشرة، وامتدت التداعيات لتشمل كارثة بيئية وصحية تخنق أنفاس الإيرانيين.

ونتيجة لذلك، أعلنت السلطات الإيرانية أنها تراقب جودة الهواء في العاصمة وطلبت من السكان البقاء في منازلهم لتجنب الاختناق.

وفي السياق ذاته، حذر إسماعيل بقائي المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية من خطورة الموقف الجوي، قائلًا إن الضربات «تطلق مواد خطرة ومواد سامة في الهواء»، وهو ما اعتبره أمرًا «يعرض الأرواح للخطر على نطاق واسع».

وقد تجسد هذا الخطر في شهادة امرأة من طهران وصفت مدينتها المغطاة بالدخان الكثيف، قائلة «يمكنك شم رائحة الحريق. لا أستطيع رؤية الشمس. هناك دخان فظيع. لا يزال موجودًا، أنا متعبة جدًا».

وتزامنت هذه المشاهد القاتمة مع التقاط وكالات الأنباء صورًا تظهر أعمدة الدخان الضخمة تتصاعد فوق خزانات مستودع أقدسية النفطي بالقرب من طهران ليلة الأحد الثامن من مارس 2026.

جذور التصعيد وفراغ السلطة تأتي هذه الهجمات ضمن أسبوعها الثاني في سياق تصعيد عسكري غير مسبوق اندلعت شرارته الأولى مع اغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، مما دفع طهران للرد على هذا الاغتيال بشن ضربات صاروخية خاصة بها استهدفت حلفاء الولايات المتحدة وأصولها في جميع أنحاء المنطقة.

وفي المقابل، يبرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مهاجمة إيران بقوله إن حكومتها شكلت تهديدًا وشيكًا للولايات المتحدة، مشيرًا إلى برنامج إيران النووي، وهي اتهامات تقابلها طهران بالتشديد الدائم على أن برنامجها النووي سلمي تمامًا.

وقد أسفرت هذه الهجمات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة والمستمرة حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 1332 مدنيا إيرانيًا وإصابة الآلاف، وفقا لتصريحات أمير سعيد إيرواني، سفير إيران لدى الأمم المتحدة.

ووسط هذا المشهد الدموي والتطورات المتسارعة، أعلن مجلس خبراء القيادة في إيران أنه توصل إلى إجماع حول الشخصية التي ستخلف خامنئي، غير أن الاسم لم يعلن للجمهور حتى اللحظة.

مفارقة الحرب وأمنيات التغيير يخلق غياب الزعيم وفراغ السلطة المعلنة حالة من الترقب المشوب بالحذر تتلاقى مع مفارقة صادمة داخل المجتمع الإيراني، فرغم القصف وسقوط الضحايا المدنيين، أعرب بعض الإيرانيين في طهران عن دعمهم المستمر لهذه الضربات أملين في الخلاص السياسي.

وتتجلى هذه المفارقة في حديث شاب في العشرينيات من عمره من طهران، قال «لقد لجأنا نحن الشعب إلى منازلنا وننتظر بفارغ الصبر تدمير الحكومة حتى نتمكن من النزول إلى الشوارع كما فعلنا من قبل».

ويأتي هذا الموقف الجريء رغم التحذيرات الصارمة التي يبثها التلفزيون الحكومي، التي تتوعد بأن أي شخص «يتحدث أو يتصرف لصالح» الولايات المتحدة أو إسرائيل أو رضا بهلوي النجل المنفي لآخر شاه في إيران «سيُقتل».

في غضون ذلك، تصف امرأة أخرى في طهران الحرب بأنها «مرعبة» لكنها تراها ثمنًا يستحق الدفع مقابل إزاحة النظام الحالي، لتشرح وجهة نظرها، قائلة «ربما يصعب فهم ذلك على الأشخاص الذين ليسوا هنا، ولكن بالنسبة للأشخاص العاديين لم يكن هناك حقًا خيار آخر. وإلا، صدقني، لم نكن لنرغب في دفع مثل هذا الثمن الباهظ للحرب». وتضيف المرأة بوضوح حاسم «الإيرانيون ليسوا دعاة حرب أو حمقى لقد عانوا كثيرًا حتى وصلوا إلى حدهم الأقصى، وكل ما يريدونه هو حياة طبيعية».

وفي مقابل هذا الأمل الممزوج برائحة البارود، يبرز خوف عميق من السيناريو الأسوأ المتمثل في بقاء الوضع على ما هو عليه، حيث تخشى امرأة أخرى من طهران مما قد يواجهونه إذا انتهت الحرب وبقي النظام الحالي ممسكًا بمقاليد الحكم. وتعبر عن هذا القلق الوجودي بقولها «حتى لو انتهت الحرب وبقينا على قيد الحياة... أنا متأكدة من أن التكاليف ستكون باهظة للغاية وسيكون الوضع أسوأ من ذي قبل لفترة طويلة. خاصة إذا ظل هؤلاء في السلطة»، لتنتهي كلماتها بتساؤل يعكس حالة الضياع السياسي التام، قائلة «لا أستطيع حتى معرفة من سيتولى السلطة».

وفي النهاية، تظل شوارع طهران وكرج غارقة تحت سحابة حمراء من الدخان السام تنتظر انجلاء الرؤية لمعرفة من سيحكم البلاد بعد انقشاع غبار المعارك.


هذا المحتوى مقدم من العلم

إقرأ على الموقع الرسمي


موقع سائح منذ 3 ساعات
موقع سفاري منذ 18 ساعة
موقع سفاري منذ 19 ساعة
سي ان ان بالعربية - سياحة منذ 8 ساعات
العلم منذ 18 ساعة
موقع سائح منذ 6 ساعات
موقع سائح منذ 21 ساعة
موقع سفاري منذ 18 ساعة