تجاهلت وسائل الإعلام الحكومية في بيونج يانج مؤخرًا الإبلاغ عن مقتل آية الله علي خامنئي وعشرات من كبار القادة الإيرانيين، واكتفت بإدانة الولايات المتحدة وإسرائيل لشنهما «حرب عدوان» على طهران.
ويشير هذا التجاهل المتعمد إلى حرص النظام الكوري الشمالي على عدم كسر الصورة الأسطورية لحصانة زعيمه، وتجنب تذكير المواطنين باحتمالية استهداف القيادات العليا حتى في الدول شديدة الإحكام.
وتتزامن هذه الأحداث مع عملية أسر القوات الخاصة الأمريكية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو قبل نحو شهرين، وهي الحادثة التي ردت عليها كوريا الشمالية حينها بتجربة صاروخية سريعة ربطها محللون بتلك العملية.
وفي مسار متصل أشرف كيم جونج أون بنفسه يوم الأربعاء الماضي على اختبار صاروخ كروز من المدمرة الجديدة «تشوي هيون» قبل دخولها الخدمة.
وتدفع هذه التطورات المتلاحقة، إلى جانب قدرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على التحول السريع نحو استخدام القوة، القيادة الكورية الشمالية لتحليل العمليات العسكرية الأمريكية بدقة ودراسة جدوى فتح قنوات تواصل لإدارة المشهد المعقد.
وفي هذا الإطار يرى تشاد أوكارول، مؤسس مجموعة كوريا للمخاطر، أن من مصلحة كيم الانخراط في محادثات مع ترامب هذا العام ولو بشكل سطحي بهدف إدارة طبيعة الرئيس الأمريكي التي يصعب التنبؤ بها.
ويختلف المشهد الحالي جذريًا عن عام 2003 حين اختفى كيم جونج إيل عقب الغزو الأمريكي للعراق، حيث يمتلك نجله كيم جونج أون اليوم ثقة أكبر تستند إلى ترسانة يُعتقد أنها تضم عشرات الرؤوس النووية وأنظمة إيصال قادرة على بلوغ الأراضي الأمريكية.
وقد أعلنت بيونج يانج في وقت سابق أن وضعها النووي «لا رجعة فيه»، وهو ما يغير حسابات المخاطر لأي خصم محتمل.
ورغم هذا الردع النووي تدرك بيونج يانج قدرة الاستخبارات الحديثة على اختراق الخصوم بدقة، ولذلك تعكف الأجهزة الأمنية الكورية الشمالية التي تمتلك أحد أعقد أنظمة الحماية عالميًا على دراسة تفاصيل العملية الإيرانية لتعزيز حماية زعيمها، معتمدة على حراس مزودين بحقائب باليستية تتحول إلى دروع، إضافة إلى استخدام مواكب تمويهية ومنشآت محصنة تحت الأرض.
وتمثل قمة هانوي عام 2019 درسًا قاسيًا للزعيم الكوري الشمالي حين انسحب ترامب فجأة دون توقيع أي اتفاق، وقد أشارت تقارير سابقة لصحيفة نيويورك تايمز إلى محاولة قوات أمريكية خاصة زرع أجهزة تنصت داخل كوريا الشمالية قبل تلك القمة، مما يشير، بالتوازي مع ما حدث مؤخرًا في إيران، إلى أن الطريق الدبلوماسي لا يوقف عمليات جمع المعلومات الاستخباراتية أو التخطيط للطوارئ.
وقد دفع فشل الدبلوماسية السابقة كيم نحو تعزيز علاقاته مع موسكو عبر تقديم دعم عسكري لروسيا شمل قذائف وقوات مقابل مكاسب اقتصادية وتكنولوجية محتملة. ورغم هذه الشراكات القوية ومعاهدات الدفاع المشترك التي تربط بيونج يانج بموسكو وبكين، أثبتت الأزمة الإيرانية أن التحالفات الاستراتيجية لا تضمن بالضرورة تدخلًا عسكريًا مباشرًا لحماية الحلفاء وقت الأزمات.
وفي خضم هذه التحديات ترك كيم جونج أون خلال المؤتمر التاسع لحزب العمال في أواخر فبراير نافذة ضيقة للحوار مشترطًا تراجع واشنطن عن سياستها العدائية واعترافها بوضع بلاده النووي الدستوري.
وقد ردت واشنطن عبر سيول بتأكيد انفتاحها على الحوار دون شروط مسبقة. ومع غياب كوريا الشمالية عن خطاب حالة الاتحاد الأخير لترامب، يقف كيم الآن أمام خيارات حاسمة للموازنة بين مخاطر التزام الصمت ومخاطر استئناف التواصل المباشر.
هذا المحتوى مقدم من العلم
