"أب ولكن".. حين يصبح القانون خصما للأبوة

إسراء الردايدة يأتي مسلسل "أب ولكن" ضمن الأعمال الاجتماعية التي لا تكتفي باستثمار مأساة أسرية مألوفة، بل تحاول تحويلها إلى سؤال عام يخص المجتمع والقانون معا. منذ حلقاته الأولى يضع العمل المتلقي أمام أزمة واضحة ومباشرة: أب يجد نفسه بعد الطلاق خارج الحياة اليومية لابنته، محاصرا بقانون لا يمنحه سوى ساعات محدودة ومهينة إنسانيا في مراكز الرؤية، فتتحول الأبوة من ممارسة يومية إلى "حق" مؤقت، مقنن ومراقب. هنا لا يكون الطلاق مجرد خلفية درامية، بل نقطة انفجار نفسي وقانوني؛ مركز الرؤية يتحول الى امتداد رمزي للسجن، والمحكمة تصبح طرفا فاعلا في تشكيل المشاعر لا مجرد مؤسسة تضبط النزاع.

هذا الاشتباك بين الخاص والعام، بين البيت والمحكمة، هو المدخل الأساسي لقراءة "أب ولكن" بوصفه دراما اجتماعية نقدية، أكثر منه مجرد ميلودراما عائلية عن "أب مظلوم وأم قاسية". فالمسلسل لا يدافع عن الأب لأنه رجل، ولا يدين الأم لأنها أم، بل يضع الطرفين داخل منظومة مختلة تتداخل فيها الجروح الشخصية مع عيوب القانون، ضغوطات المجتمع ونزعات الانتقام الصغيرة التي تولد لحظة انهيار الأسرة.

ياسمين أحمد كامل.. من قلب السوق إلى دراما اجتماعية مصقولة

لا يمكن فهم "أب ولكن"، بمعزل عن مسيرة مخرجته وكاتبته المشاركة ياسمين أحمد كامل، التي تشكل وعيها داخل قلب الصناعة التلفزيونية المصرية التجارية لا على هامشها. جاءت من خلفية مهنية صلبة كمساعد مخرج وسكريبت حركة وملابس في أعمال جماهيرية مثل "الحارة" و"لحظات حرجة 3" و"ولاد رزق" و"الخلية" و"جراند اوتيل"، وهو مسار صنع لديها حسا تقنيا منضبطا قبل أن يمنحها توقيعا فنيا مستقلا. هذه الخلفية لا تنتج مخرجة مهووسة بالتجريب الشكلي، بقدر ما تنتج صانعة دراما تعرف أين تضع الكاميرا، ومتى تنهي المشهد، وكيف تدير الإيقاع، حيث لا يترهل المسلسل الطويل ولا المسلسل القصير.

تخرجها في كلية الإعلام، يضيف بعدا آخر لهذا التكوين؛ فهي تدرك آليات السوق والريتينغ وطبيعة التلقي في زمن المنصات، لذلك تميل أعمالها إلى بنى درامية واضحة ومحكمة ومصممة للوصول إلى قطاع واسع من المشاهدين من دون تعقيد نخبوي، مع احتفاظها بهامش نقدي حقيقي. في "حدوتة مُرة"، بدت ملامح الميلودراما المنضبطة، وفي حكايات "إلا أنا" القصيرة ظهر ميلها إلى تكثيف السرد والاقتراب من التفاصيل اليومية الصغيرة، بينما أتاح لها عملها مخرجة وحدة ثانية في "سوتس" العربي تمرينا عمليا على الإيقاع العصري والتنظيف البصري للكادرات. ثم جاء "أعلى نسبة مشاهدة"، ليكرس علاقتها بفورمات الـ15 حلقة ويختبر قدرتها على بناء توتر متصاعد في مساحة زمنية مضغوطة.

في "أب ولكن"، تبدو هذه العناصر وقد نضجت: نحن أمام دراما اجتماعية/نفسية تقوم على صراع يومي منخفض النبرة، يحتاج إلى مخرجة تعرف كيف تستخرج التوتر من الصمت والانتظار والممرات الباردة في المحاكم ومراكز الرؤية، لا فقط من المواجهات الصاخبة. أسلوب ياسمين هنا يقوم على ما يمكن تسميته "واقعية مصقولة": أماكن مألوفة وديكورات غير متباهية، لكن صورة مضبوطة، وكادرات قريبة ومتوسطة تبقي المتلقي داخل المسافة النفسية للشخصيات، وتجعل الاحتقان الداخلي هو المحرك الأساسي للمشهد.

عن ماذا يتحدث المسلسل فعلا؟

على السطح، يحكي "أب ولكن" قصة "أب مطلق" يحرم من رؤية ابنته إلا لساعات محدودة أسبوعيا في مكان عام بموجب قانون الرؤية، فيندفع يائسا إلى فعل حاد مثل خطفها من المدرسة. لكن في العمق، يتناول العمل تفكك صورة الأب حين تتحول علاقته بابنته إلى ملف قانوني، ويشتبك مع المسافة بين العدالة القانونية والعدالة الإنسانية. أدهم، بطل المسلسل، ليس نموذجا أبويا كامل النبل، بل رجلا مأزوما يخطئ ويندفع ويورط نفسه، لكن خطأه لا يلغي حقيقة جرحه.

القضية المحورية هنا، هي قانون الرؤية في مصر، الذي يحصر لقاء الأب بأبنائه في ثلاث ساعات أسبوعيا في أماكن عامة، ويمنع الاستضافة، ما يجعل الأبوة أقرب الى "زيارة مؤسسية" منها إلى علاقة حقيقية. المسلسل يترجم هذا النص القانوني إلى أثر يومي محسوس: أب ينتظر، طفلة تخاف وتتوتر، أم تستخدم القانون أحيانا، كسلاح دفاعي أو وسيلة سيطرة، ومحامون وعائلات يوسعون النزاع بدلا من احتوائه. الطفلة ليست مجرد أداة لاستدرار التعاطف، بل نقطة التماس الأكثر هشاشة بين القانون والعاطفة؛ كل قرار للكبار يمر عبر جسدها الصغير واضطرابها النفسي. بذلك يذكرنا العمل أن قوانين الأسرة لا تقاس فقط بما تضمنه على الورق، بل أيضا بما تتركه من ندوب طويلة الأمد في نفسية الأطفال.

محمد فراج: بطل المنطقة الرمادية

اختيار محمد فراج لبطولة "أب ولكن" يبدو امتدادا طبيعيا لمساره في السنوات الأخيرة كممثل يبرع في الأدوار المركبة أخلاقيا ونفسيا. منذ "لعبة نيوتن" و"خلي بالك من زيزي" و"الغرفة 207" ثم أعماله الأحدث، رسخ فراج صورته كرجل مأزوم من الداخل، منكسِر دون استعراض، ومربِك أخلاقيا من دون ان يفقد إنسانيته. في "أب ولكن"، يجسد شخصية أدهم، الأب الذي خرج من تجربتي سجن وطلاق ليجد نفسه محكوما بقانون يختزل علاقته بابنته في مواعيد مراقبة، فيتحول من رجل كان يملك بيتا وعائلة، إلى شخص يطارد حقه في الممرات البيروقراطية.

قوة أداء فراج في هذا الدور، تكمن في حمل الشخصية من الداخل لا من الخارج:.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الغد الأردنية

منذ 6 ساعات
منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
منذ 33 دقيقة
منذ 6 ساعات
خبرني منذ 19 ساعة
خبرني منذ 14 ساعة
قناة رؤيا منذ 7 ساعات
صحيفة الرأي الأردنية منذ 14 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 19 ساعة
خبرني منذ 7 ساعات
خبرني منذ 4 ساعات
خبرني منذ 13 ساعة