لم تكن الساعات الأولى من فجر الثامن والعشرين من فبراير ٢٠٢٦ مجرد بداية جولة عسكرية جديدة فى الشرق الأوسط، بل كانت لحظة انفجار جيوسياسى طالما حذر منها الخبراء الاستراتيجيون حول العالم، خاصة فى أعقاب المواجهة السابقة، أى حرب الـ١٢ يومًا، التى جرت فى يونيو ٢٠٢٥.
ومع انطلاق الضربات الأمريكية والإسرائيلية الواسعة على أهداف داخل إيران، بدا المشهد وكأن المنطقة تدخل طورًا مختلفًا من الصراع، فلم تشتعل سماء طهران فحسب، بل احترقت معها خرائط «الاستقرار الهش» فى الشرق الأوسط، والتى صِيغت على مدار عقود، مع اليقين بأن هذه الحرب لن تؤثر فقط على أطرافها الثلاثة، أمريكا وإسرائيل وإيران، بل ستقود إلى إعادة هندسة الإقليم، بما قد يؤدى إلى تغيير وجه الشرق الأوسط، ليناسب «أحلام الدولة العبرية».
وفى غضون أيام قليلة اتضح أن ما كان يُفترض أن يكون عملية عسكرية سريعة لتغيير قواعد اللعبة، تحول إلى حرب معقدة تتشابك فيها الحسابات العسكرية وتوازنات القوى الدولية، مع تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمى، بجانب حالة واسعة من عدم اليقين بشأن السيناريوهات المتوقعة لها، وتشاؤم حول مستقبلها، وقدرة أى من أطراف هذه الحرب على إنهائها.
رهان أمريكى خاطئ على «استراتيجية الصدمة».. وتفوق جوى كاسح بلا حسم
منذ اللحظة الأولى اعتمدت الخطة العسكرية الأمريكية- الإسرائيلية على فرضية أساسية، مفادها أن توجيه ضربة مركزة وقاسية إلى البنية العسكرية الإيرانية، مع استهداف قمة الهرم القيادى فى طهران، سيؤديان إلى إحداث صدمة استراتيجية، تشل قدرة النظام الإيرانى على الرد.
وهذه الفرضية لم تكن جديدة فى الفكر العسكرى الغربى، فقد جرى تطبيق نماذج مشابهة فى حروب سابقة، استهدفت تفكيك منظومات الحكم عبر ضرب مراكز القيادة والسيطرة، لخلق حالة من الارتباك والانهيار المؤسسى، لكن الأيام الأولى من الحرب كشفت عن أن التقديرات لم تكن دقيقة بالشكل الكافى، وبدلًا من أن تنهار منظومة القيادة الإيرانية، كما توقع البعض، بدا أن طهران انتقلت بسرعة إلى نمط مختلف من إدارة المعركة، المتوقعة منذ زمن طويل، يقوم على اللا مركزية العملياتية.
وعند دراسة ميزان القوة بين أطراف الحرب، لا يمكن إنكار أن الولايات المتحدة وإسرائيل تمتلكان تفوقًا عسكريًا هائلًا فى مجالات عدة، أبرزها السيطرة الجوية والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة والقدرة على تنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى.
وظهر ذلك فى قدرة القوة الجوية المشتركة، خلال الأيام الأولى للحرب، على توجيه ضربات قاسية لعدد كبير من الأهداف الإيرانية، شملت منشآت عسكرية وقواعد بحرية ومراكز قيادة ومواقع مرتبطة بالبنية الصاروخية، كما أظهرت القدرات الاستخباراتية الإسرائيلية قدرة كبيرة على تحديد مواقع حساسة داخل العمق الإيرانى، تجلّت فى اغتيال المرشد الإيرانى الأعلى، على خامنئى، وعدد من أبرز قيادات الصفين الأول والثانى داخل النظام الإيرانى، وهو ما يعكس سنوات طويلة من العمل الاستخباراتى المعقّد.
ومع ذلك، فإن التفوق العسكرى لم يكن يعنى بالضرورة القدرة على حسم الحرب، خاصة عندما يكون الطرف المقابل قد بنى استراتيجيته على امتصاص الضربة الأولى، مهما كانت شدتها، ثم الانتقال إلى حرب استنزاف طويلة، تجر الجميع إلى مستنقع لا خروج منه.
طهران ترد بـ«الإغراق الصاروخى» وتعيين «خامنئى الابن» لأخذ ثأر الأب
مع بدء الجانب الإيرانى فى الرد على الهجوم الأمريكى- الإسرائيلى، ظهرت إحدى أهم نقاط القوة الإيرانية، وهى امتلاك ترسانة صاروخية ضخمة ومتنوعة، تسمح بالرد المستمر، حتى فى ظل الضربات الجوية المكثفة.
ولم تسعَ إيران، فى ردها الأول، إلى تحقيق تدمير شامل، بقدر ما ركزت على إطلاق موجات متتالية من الصواريخ والطائرات المسيّرة، فى محاولة واضحة لاستنزاف منظومات الدفاع الجوى الأمريكية والإسرائيلية، التى تعتمد على صواريخ اعتراض باهظة التكلفة.
ويمثل هذا النوع من المعادلات الاقتصادية العسكرية أحد أوجه الحرب الحديثة، حيث يمكن لسلاح منخفض التكلفة نسبيًا أن يفرض ضغوطًا كبيرة على منظومات دفاعية باهظة الثمن، ومع تكرار موجات الهجمات الصاروخية والمسيّرات يصبح التحدى الحقيقى ليس فقط فى إسقاط المقذوفات، بل فى الحفاظ على مخزون كافٍ من الصواريخ الاعتراضية القادرة على مواجهة هجمات مستمرة، ما يرفع تكلفة الحرب اقتصاديًا وتصنيعيًا.
بالتزامن مع تلك الاستراتيجية، حدث تطور آخر لا يقل خطورة، عبر تصعيد مجتبى خامنئى، نجل المرشد الإيرانى الذى تم اغتياله، إلى موقع القيادة العليا للنظام، ليحل محل أبيه، فى تطور يمثل انتقالًا تدريجيًا من نظام «ولاية الفقيه الثورية» إلى ما يشبه «ولاية العائلة السياسية».
وهذا التحول لا يغير فقط شكل القيادة الإيرانية، بل يمس أحد الأسس الفكرية التى قامت عليها الثورة الإيرانية نفسها، لأن النظام- الذى قدّم نفسه تاريخيًا باعتباره ثورة على حكم العائلات السياسية- أصبح الآن أمام «وراثة سياسية»، ما قد يثير تساؤلات داخل بعض الأوساط الدينية والسياسية حول طبيعة الشرعية الجديدة للنظام.
وفى ظل عدم تمتع «خامنئى الابن» بالوزن الدينى نفسه الذى كان لأبيه، فإن شرعيته لن تستمد من كونه قامة دينية وفقهية، بقدر ما تستمد من شبكة تحالفاته داخل مؤسسات الدولة العميقة، وعلى رأسها الحرس الثورى الإيرانى، الذى سيصبح مركز القرار السياسى الحقيقى داخل النظام، ما قد يُدخل إيران فى مرحلة جديدة يصبح فيها القرار الاستراتيجى أكثر ارتباطًا بالمنطق الأمنى والعسكرى، وأكثر نزعة نحو التشدد والهجومية، فى ظل رغبة الحرس الثورى فى تأكيد سلطته كفاعل رئيس، ليس فى إيران فقط بل فى المنطقة كلها.
ومع تلك التحولات، فإن الحرب الدائرة لم تعد مجرد صراع حول النووى أو النفوذ الإقليمى، بل قد تتحول إلى «حرب ثأر»، لا تراجع فيها، ما يدفع نحو خيارات أكثر حدة فى مواجهة الخصوم الدوليين والإقليميين.
احتمالات مفتوحة لإعادة تفسير «الفتوى النووية».. والعالم يستعد لأزمة طاقة استثنائية
لسنوات طويلة استندت العقيدة النووية الإيرانية إلى فتوى أصدرها المرشد الأعلى، على خامنئى، تحرّم إنتاج أو استخدام السلاح النووى، وهى الفتوى التى استخدمتها طهران لسنوات كحجة دينية وسياسية تؤكد أن برنامجها النووى ذو طبيعة سلمية، غير أن انتقال القيادة إلى مجتبى خامنئى، فى ظل اغتيال أبيه، وتحت وطأة الحرب الدائرة، قد يفتح الباب أمام سيناريوهات مختلفة.
ومع احتمال إبقاء القيادة الإيرانية الجديدة على «الفتوى النووية» كما هى، حفاظًا على الخطاب السياسى الذى اعتمدته إيران لسنوات طويلة، فإن الباب مفتوح أمام احتمال آخر، يتمثل فى إعادة تفسير هذه الفتوى فى ضوء التصعيد القائم، أو حتى إصدار اجتهاد دينى جديد يغير من طبيعة الموقف الرسمى تجاه السلاح النووى.
ومع شعور القيادة الإيرانية الجديدة بأن النظام أصبح مهددًا بشكل مباشر فقد تتجه إلى تبنى منطق مختلف فى حسابات الأمن القومى، يقوم على امتلاك سلاح ردع استراتيجى، يتمثل فى السلاح النووى، كضمانة نهائية لإبقاء النظام، ومنع أى محاولة مستقبلية لتغييره بالقوة.
ومع كل تلك التطورات، فإن البعد الاقتصادى للحرب القائمة لا يقل أهمية عن بعدها العسكرى، لكون المسرح الجغرافى للصراع يقع فى قلب أحد أهم ممرات الطاقة فى العالم، حيث تمر ٢٠٪ من تجارة النفط والغاز عبر الخليج العربى ومضيق هرمز.
ومع تصاعد المخاطر الأمنية فى المنطقة، بدأت الأسواق العالمية بالفعل تتعامل مع تعطل الإمدادات وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، خاصة بعد إعلان قطر والكويت والبحرين عن حالة «القوة القاهرة» ووقف إنتاج النفط والغاز، وتوقع إعلان بقية دول الخليج الأمر ذاته إذا ما استمرت الحرب بنفس الوتيرة حتى نهاية الشهر الجارى، نظرًا لمحدودية مساحات تخزين الإنتاج.
وفى عالم يعتمد بدرجة كبيرة على استقرار تدفقات الطاقة، فإن أى اضطراب طويل الأمد فى هذه المنطقة قد يؤدى إلى تداعيات اقتصادية تتجاوز بكثير حدود الشرق الأوسط، وهو ما بدأ يظهر حاليًا فى ارتفاع أسعار برميل النقط، ووصول خام برنت إلى قرب ١٢٠ دولارًا للبرميل، فيما كان قد سجل فى اليوم السابق للحرب ٧٢ دولارًا للبرميل فقط.
إسرائيل تورط أمريكا وإيران والخليج لإعادة تشكيل المنطقة و«أسرلة» الإقليم
فى قلب الحرب الحالية، يبرز السؤال الاستراتيجى الأكثر أهمية، وهو: هل نجحت إسرائيل فى دفع الولايات المتحدة وإيران.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور المصرية
