كيف أصبح المسحراتي طقساً رمضانياً؟

مصدر الصورة: Getty Images

تشتهر عبارة "اصحى يا نايم وحد الدايم" بين النداءات التي يطلقها المسحراتي في جولاته قبيل الفجر، حيث يردد خلالها أهازيج وعبارات دينية وشعبية، تختلف صيغها من بلد إلى آخر ومن حي إلى آخر، لكنها تتفق في غاية واحدة: تنبيه الصائمين إلى موعد السحور وإضفاء روح إيمانية على أجواء الليل الرمضاني.

ويبرز المسحراتي بوصفه أحد الرموز الشعبية المرتبطة بشهر رمضان في العالم الإسلامي. ويعود أصل الكلمة إلى لفظ "السحر"، وهو الوقت الذي يسبق طلوع الفجر مباشرة، حين يتناول المسلمون وجبة السحور استعداداً للصيام. وقد اشتقت من الفعل "سحّر"، أي أيقظ الناس في وقت السحر أو دعاهم إلى السحور، ومنه اسم الفاعل "مسحّر". ومع تطور الاستعمال الشعبي في مصر وبلاد الشام أضيفت اللاحقة العامية "ـاتي" الدالة على صاحب الحرفة، فصارت "مسحراتي"، أي الشخص الذي يوقظ الناس للسحور.

وعلى الرغم من بساطة مهمته، فإن جذورها تمتد عميقاً في التاريخ الإسلامي، وتعكس تفاعل المجتمعات مع الطقوس الدينية والاجتماعية عبر القرون. ولم يكن المسحراتي مجرد منبه بشري، بل تحول إلى رمز ثقافي وروحي يجسد روح رمضان ودفء العلاقات الاجتماعية داخل الأحياء.

وحظيت شخصية المسحراتي بحضور واضح في الأدب والفن العربيين، إذ ظهرت في الأغاني والمسلسلات والقصص الشعبية. ومن أبرز الأعمال التي تناولتها أغاني الشاعر فؤاد حداد والملحن سيد مكاوي، التي أعادت إحياء صورته في الوعي المعاصر وأسهمت في تثبيت عباراته وإيقاعاته في الذاكرة الجماعية.

ويقول مصطفى عيد أحمد في كتابه "المسحراتي": "إن مهنة المسحراتي تطورت في مصر؛ فبعد أن كان يمسك عصاً وقنديلاً، أصبح يحمل طبلة يدق عليها فيسمعه القاصي والداني. كما ارتبط فانوس رمضان بالمسحراتي، إذ كان الأطفال يحملون الفوانيس حوله ليلاً ويرددون: حلو يا حلو، رمضان كريم يا حلو".

أصل الحكاية تعود جذور هذه الممارسة إلى المراحل الأولى من التاريخ الإسلامي. وتشير الروايات إلى أن بلال بن رباح، أول مؤذن في الإسلام، كان يعلن ليلاً قرب حلول الفجر، ما يتيح للناس تناول السحور، بينما كان عبد الله بن أم مكتوم يعلن دخول وقت الفجر. وبذلك كان الإعلانان يشيران عملياً إلى الفترة المتاحة لتناول السحور وبداية الإمساك. وقد ورد هذا الترتيب في رواية نقلها عبد الله بن عمر وعائشة عن النبي محمد، وجاء فيها: "إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم".

وتذكر بعض المصادر أن أول تنظيم واضح لدور يشبه المسحراتي ظهر في العصر العباسي، ولا سيما في مصر. فقد قيل إن والي مصر العباسي عنبسة بن إسحاق بن شمر في القرن الثالث الهجري كان يخرج ليلاً في شوارع الفسطاط ويدعو الناس إلى تناول السحور قائلاً: "تسحروا فإن في السحور بركة".

كما تشير روايات أخرى إلى أن والياً عباسياً آخر هو إسحاق بن عقبة كان يطوف ليلاً من مدينة العسكر إلى جامع عمرو بن العاص لإيقاظ السكان، في ما يعكس اهتمام السلطات بتنظيم الحياة اليومية خلال شهر رمضان.

ومع مرور الزمن تحولت هذه المهمة من نشاط يقوم به الحاكم أو موظف رسمي إلى مهنة شعبية ذات طقوس معروفة. ففي العصر الفاطمي شجعت السلطات السكان على النوم مبكراً بعد صلاة التراويح، وكان الجنود يمرون على المنازل ويدقون أبوابها لإيقاظ الناس للسحور. ولاحقاً عين شخص يتولى هذه المهمة، فكان يجوب الأحياء وينادي لإيقاظ السكان، ويطرق أبواب البيوت بعصا يحملها.

وفي العهد المملوكي كادت المهنة تختفي، قبل أن يعاد إحياؤها عندما كلف السلطان الظاهر بيبرس بعض رجال الدين بالدق على أبواب البيوت لإيقاظ السكان للسحور. وفي عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون ظهرت مجموعة منظمة من المسحراتية أسسها أبو بكر محمد بن عبد الغني، المعروف بـ"ابن نقطة". ومنذ ذلك الحين ارتبطت شخصية المسحراتي بحمل طبلة صغيرة يضرب عليها بإيقاع منتظم أثناء سيره في الأزقة. وكانت هذه الطبلة تعرف باسم "بازة"، وهو اسم لا يزال مستخدماً في بعض المناطق. وكان الأطفال ينتظرون مروره ليلاً ويرددون خلفه النداءات، ما جعل حضوره جزءاً من ذاكرة الطفولة لدى أجيال متعاقبة.

وبحسب ما يذكره المؤرخ البريطاني إدوارد لين، كان مسحراتي العصر العثماني يجوب الشوارع ويضرب على الطبل ثلاث مرات قبل أن يردد عبارات إنشاد تقليدية، ثم يعاود الضرب ثلاث مرات أخرى ويقول: "أسعد الله ليلتكم". وكان أحياناً يذكر أسماء رجال البيوت التي يمر بها وأبنائهم. وكانت بعض النساء يلقين له النقود، كما كان يعلن في الحي إذا كان في أحد البيوت فتاة في سن الزواج ليعلم بذلك من يبحثون عن زوجة. أما في المناطق الريفية فكان عمدة القرية يؤدي هذا الدور أحياناً.

وفي القرن التاسع عشر شهدت المهنة في مصر والسودان تطوراً ملحوظاً. فقد كان المسحراتي يجوب الأزقة والحارات يرافقه طفل يحمل فانوساً يضيء له الطريق. وكان على معرفة وثيقة بأهالي الحي، ويحتفظ بدفتر يدون فيه أسماءهم، فينادي الأطفال بأسمائهم لإيقاظهم للسحور، ما كان يضفي أجواء من البهجة في ليالي رمضان.

ويقول أحمد المنزلاوي في كتابه "شهر رمضان في الجاهلية والإسلام": "تخصصت بعض الأسر في هذه الحرفة وامتدت إلى أبنائها عبر أجيال، ودخلتها النساء في المدن الكبرى والقرى الصغيرة أحياناً للسعي على رزق أطفال صغار مات والدهم أو أقعده المرض. وجار بعض المسحراتية على مناطق زملائهم فاعترضوا عليه، ومن هنا جاء المثل القائل: بيطبل في المطبل".

"أبو طبيلة" في العصر الحديث شهدت مهنة المسحراتي بعض التغيرات في أدواتها.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من بي بي سي عربي

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بي بي سي عربي

منذ 5 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 8 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 17 ساعة
سي ان ان بالعربية منذ 7 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 15 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 6 ساعات
سي ان ان بالعربية منذ 4 ساعات
سي ان ان بالعربية منذ 21 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 6 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 6 ساعات