تواجه أوروبا اليوم مشكلة كبرى تعيد إلى الأذهان أهوال أزمة الطاقة التي عصفت بالقارة عقب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، ولكن هذه المرة تحت وطأة النيران المشتعلة في الشرق الأوسط، فبينما كان القادة الأوروبيون يحتفلون بنجاحهم في تقليص الاعتماد على الغاز الروسي إلى مستويات دنيا، جاء إغلاق مضيق هرمز ليعيد القارة إلى مربع القلق الأول، كاشفًا عن هشاشة استراتيجية في هيكل الطاقة الأوروبي.
معضلة التبعية الجديدة في أوروبا لم يكن خروج الغاز الروسي من الأنابيب الأوروبية نهاية المطاف، بل كان بداية لتبعية من نوع آخر، فقد سارعت دول القارة نحو الغاز الطبيعي المسال، لتجد نفسها اليوم مرتهنة للإمدادات القادمة من الولايات المتحدة والنرويج.
ومع تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل ووصوله إلى صدام مباشر، قفزت أسعار الغاز في الأسواق الأوروبية بنسبة 20% في مطلع مارس الجاري، مما وضع الحكومات تحت ضغط شعبي هائل.
ويشير دبلوماسيون أوربيون إلى حالة من "الهلع" تسود أروقة القمة الأوروبية المنعقدة في بروكسل؛ حيث يخشى الرؤساء ورؤساء الوزراء من غضب الناخبين وتصاعد التيارات الشعبوية.
وبدلاً من التركيز على الخطط طويلة الأمد لتعزيز التنافسية، تستهلك الحلول المؤقتة والدعم المالي الطارئ طاقة القادة السياسيين، في تكرار سينمائي لما حدث قبل أربع سنوات.
ضغوط واشنطن وخيارات الغرب الصعبة تبرز الولايات المتحدة كلاعب محوري في هذه الأزمة، حيث باتت تزود ألمانيا وحدها بنحو 96% من حاجتها للغاز المسال.
منح هذا الاعتماد المفرط إدارة الرئيس دونالد ترامب أوراق ضغط اقتصادية وسياسية قوية، تجلت في صمت المستشار الألماني فريدريش ميرز أمام تهديدات ترامب بفرض حصار تجاري على إسبانيا.
وتحولت أوروبا إلى ساحة للمقايضات؛ حيث اضطرت المفوضية الأوروبية لالتزام بشراء تقنيات ونفط أمريكي بمليارات الدولارات مقابل خفض التعريفات الجمركية العقابية.
على الجانب الآخر، تبرز التجربة الصينية كدرس قاسٍ لصناع القرار في أوروبا، فبينما لا تزال القارة العجوز تعتمد على الكهرباء بنسبة لا تتجاوز 25% من إجمالي استهلاك الطاقة، تجاوزت الصين عتبة الـ 30% عبر استراتيجية "الكهربة الشاملة" ونشر السيارات الكهربائية، مما جعلها أقل عرضة لتقلبات أسعار النفط العالمية الناتجة عن تعطل الممرات المائية مثل مضيق هرمز.
وتتعمق الانقسامات الداخلية داخل أوروبا حول السياسات الخضراء؛ فبينما تطالب إيطاليا ونمسا بتعليق نظام تداول الانبعاثات (ETS) لتخفيف العبء عن كاهل الصناعة، تصر دول مثل إسبانيا والدنمارك على أن التراجع عن الأهداف البيئية سيعاقب الشركات التي استثمرت في التحديث.
هذا المحتوى مقدم من العلم
