مع اقتراب الاستفتاء الدستوري في إيطاليا نهاية الأسبوع، تتجه رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني نحو تكثيف حملتها لجذب ناخبين جدد ودعم إصلاح قضائي وعدت بأنه سيكون "أكثر عدلًا" للجميع.
ميلوني تواجه اختبارًا حاسمًا ووفقًا لتقرير "BBC"، ظهرت ميلوني وسط وجوه مألوفة من عالم الفن والرياضة، يوم الخميس، مستخدمة منبرهم لإيصال رسالتها السياسية. في المقابل، وصفت أحزاب المعارضة الإصلاح الذي طرحته الحكومة اليمينية بأنه تهديد للديمقراطية، وحوّلت الاستفتاء إلى فرصة للاحتجاج على سياسة ميلوني.
يمثل هذا الاستفتاء أكبر تحد لميلوني منذ توليها الحكم قبل ثلاث سنوات ونصف، وسط تحالفات سياسية هشة، على الرغم من فخرها بما حققته من استقرار في البلاد.
يرى عالم السياسة روبرتو داليمونتي من جامعة لويس أن الاستفتاء يشكل اختباراً حاسماً لميلوني: "إنها تريد الفوز، وإذا خسرت فسيكون لذلك أثر كبير، وهي تدرك ذلك. وأضاف داليمونتي: "ميلوني بحاجة إلى حشد ناخبيها لضمان فرصة أفضل للفوز، لكن النتائج قد تكون متقلبة".".
ولهذا السبب انضم رئيس الوزراء إلى مغني الراب فيدز والسيد مارا في برنامجهم الصوتي، Pulp.
وفي خطوة لجذب الناخبين الشباب، انضمت رئيسة الوزراء إلى مغني الراب فيدز ومقدم البرنامج الشهير مارا في برنامجهم الصوتي Pulp، مستبدلة بدلتها الرسمية المعتادة بكنزة صوفية مزينة بالترتر، وأجابت على أسئلة لمدة ساعة من الثنائي الشهير.
يُذكر أن الاستفتاءات الدستورية في إيطاليا لا تتطلب حدًا أدنى لنسبة المشاركة، ويكسب المعسكر الحاصل على أكبر عدد من الأصوات على مدار يومين من التصويت، فيما تحظى حملة "لا" بدعم النقابات العمالية. وتشير الاستطلاعات الأخيرة إلى أن انخفاض نسبة المشاركة قد يصب في صالح المعارضين للإصلاح.
عرضت ميلوني حججها المؤيدة لاستفتاء "نعم" بحماسها المعروف على الهواء، مؤكدة أن التغييرات المقترحة في عمل القضاة والمدعين العامين ستجعل النظام "أكثر جدارة، وأكثر مسؤولية، وأكثر كفاءة".
وشددت رئيسة الوزراء على أن خصومها يحوّلون الاستفتاء إلى اختبار لحكمها الشخصي، لأنهم لا يستطيعون انتقاد الإصلاح نفسه، مؤكدة أنها لن تتنحى عن منصبها. وقالت: "إذا صوتتم بـ'لا' اليوم لمجرد إعادة ميلوني إلى منزله، فستجدون أنفسكم تحتفظون بميلوني ونظام عدالة لا يعمل لا يبدو ذلك صفقة جيدة بالنسبة لي".
تحديات النظام القضائي الإيطالي ويواجه النظام القضائي الإيطالي تحديات واضحة، من بينها اكتظاظ مزمن وطول بعض الإجراءات، التي تعد من بين الأطول في الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، تشير التحليلات إلى أن الإصلاح المقترح لن يعالج هذه المشكلات بشكل كامل.
ويتضمن الاستفتاء فصل المسارين الوظيفيين للقضاة والمدعين العامين، وإنشاء هيئات مستقلة لإدارتهما، إلى جانب محكمة تأديبية جديدة لكليهما. وتأثير هذا الإصلاح يعتمد بشكل كبير على فهم المواطنين للتغييرات، وهو ما يبدو صعبًا على العديد من الإيطاليين الذين يجدون الاستفتاء معقدًا وصعب التفسير.
المقترح الذي يشمل الاستفتاء جاء من حزب فورزا إيطاليا، حزب الراحل سيلفيو برلسكوني، ويعد جزءاً من الائتلاف الحاكم الحالي.
لطالما واجه برلسكوني السلطة القضائية خلال سنوات حكمه، واعتبرها في مناسبات عدة عائقاً أمام سلطته. واليوم، دخلت رئيسة الوزراء ميلوني أيضاً في صراع علني مع المحاكم، متهمة "الفصائل القوية" بتعطيل سياساتها، خصوصاً في ملف الهجرة.
في وقت سابق بميلانو، أدلت ميلوني بتصريحات مثيرة للجدل، مؤكدة أن رفض الاستفتاء قد يؤدي إلى "زيادة المهاجرين والمجرمين" وهو ما أثار انتقادات واسعة. هذا النوع من الخطاب جعل أحزاب المعارضة حذرة، معتبرة أن الهدف المحتمل للإصلاح هو إخضاع السلطة القضائية للسيطرة السياسية، وهو ما تنفيه ميلوني وفريقها.
و يخشى المراقبون وسط حالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي وارتفاع الأسعار نتيجة حرب أمريكية غير شعبية، أن يستخدم الناخبون الاستفتاء للتعبير عن إحباطهم من الأوضاع الحالية، بغض النظر عن تفاصيل الإصلاح القضائي.
وضع جيوسياسي صعب وصف أندريا دي جوزيبي، عضو حزب فراتيللي ديتاليا الذي تنتمي إليه ميلوني، الوضع الجيوسياسي الحالي بأنه "صعب للغاية"، مشيراً إلى شعور المواطنين بالخوف، لكنه شدد على ضرورة التركيز على هدف الاستفتاء. وقال: "يمكن تقييم سجل ميلوني لاحقاً في الانتخابات العامة لعام 2027. إذا لم تكن راضياً عن الحكومة، يمكنك ببساطة تغييرها لاحقاً. الآن، ما يهم هو مسألة الاستفتاء".
ويشير بعض السياسيين من الجناح اليساري إلى أن الإصلاح القضائي المقترح قد يكون ضرورياً لكسر العلاقات الوثيقة بين القضاة والمدعين العامين. وأوضح أليساندرو ستيربا، أستاذ القانون الدستوري بجامعة توسكيا: "الأمر أشبه بأن أساعدك في قضية فتساعدني أنت أيضاً إنه أشبه ببرلمان صغير يتصرف فيه الجميع معاً. هذا غير طبيعي".
وأضاف ستيربا، الذي لا يعد عادة من مؤيدي ميلوني، أن الإصلاح لا يمنح الحكومة مزيداً من السيطرة، لكنه يعكس شكاوى قديمة حول تأثير الفصائل السياسية، أو ما يعرف بـ"الكورينتي"، داخل السلطة القضائية.
ويعتبر هذا الاستفتاء الأول الذي تنفذه حكومة يمينية متشددة لتعديل دستور إيطاليا، الذي صيغ بعد هزيمة الفاشية في الأربعينيات. وقال ستيربا: "لفترة طويلة كان يُنظر إلى أن اليسار وحده قادر على الدفاع عن الدستور، لكن الآن الأمر مختلف. حارب أجدادي الفاشية بالسلاح، أما اليوم فأنا أؤيد الإصلاح لأنه مفيد للبلاد".
شهد التجمع الأخير لحملة "لا" في ساحة ديل بوبولو بروما مشهدًا لافتًا، حيث كتب بعض المشاركين عبارة "صوتوا بلا" على الحجارة المرصوفة، وتجول وسط الحشد وحيد قرن نفخي بألوان قوس قزح يحمل لافتة كتب عليها "اتركوا الدستور بسلام".
انطلقت من المنصة دعوات حماسية للدفاع عن الديمقراطية، فيما أكد أندريا مالباسي من نقابة CGIL، المؤيد للتصويت بـ"لا"، أن الدستور الحالي يضمن توازن السلطات بعد الفاشية، محذرًا من أي تعديل دستوري قد يسهل على الحكومة توسيع سلطاتها مستقبلًا. وقال: "في السنوات الأخيرة، تلقينا الكثير من الاستفسارات حول ما فعله وزراء هذه الحكومة لا نريد أن يصبح ذلك مستحيلاً في المستقبل".
وفي حال فازت ميلوني في الاستفتاء، فقد تسعى لتحقيق طموحات سياسية أكبر، بما في ذلك تعزيز صلاحيات منصبها في استفتاءات مستقبلية. ومع ذلك، يواجه هذا الاختبار ظروفًا صعبة، حيث تشير تحليلات أندريا دي جوزيبي إلى أن الإيطاليين غير راغبين في الانخراط في الحروب الأمريكية، وأن ارتفاع أسعار البنزين يضر بشعبية الحكومة. وأضاف: "لن تستقيل، لكنها ستضعف سياسيًا، لا شك في ذلك".
هذا المحتوى مقدم من العلم
