البطالة والفقر في العالم :«دراسة اقتصادية تحليلية»

البطالة والفقر في العالم

«دراسة اقتصادية تحليلية»

الأستاذ الدكتور

محمد طاقة

تُعد البطالة من أبرز المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المجتمعات المعاصرة، لما لها من آثار عميقة على مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية. فالبطالة لا تقتصر آثارها على فقدان الدخل فقط، بل تمتد لتشمل تراجع مستويات المعيشة واتساع رقعة الفقر وازدياد التفاوت الاقتصادي والاجتماعي بين الأفراد والدول.

وقد أصبحت مشكلة البطالة في العصر الحديث أكثر تعقيداً نتيجة التحولات الاقتصادية العالمية المتسارعة والتطور التكنولوجي الكبير، والتغيرات الهيكلية التي شهدها الاقتصاد العالمي، إضافة إلى تأثير الأزمات الاقتصادية والحروب والنزاعات وانتشار الأوبئة، والتي تؤدي جميعها إلى تقلبات كبيرة في أسواق العمل.

وتشير العديد من الدراسات الاقتصادية إلى وجود علاقة وثيقة بين البطالة والفقر ومستويات الدخل، حيث يؤدي ارتفاع معدلات البطالة إلى انخفاض الدخل الفردي وازدياد معدلات الفقر، في حين يسهم الفقر بدوره في إضعاف فرص التعلم والتدريب واكتساب المهارات، مما يؤدي إلى استمرار مشكلة البطالة وتعقيد معالجتها.

كما تكشف المؤشرات الاقتصادية الدولية عن وجود تفاوتات كبيرة في معدلات البطالة ومستويات الدخل بين الدول المتقدمة والدول النامية، حيث تتمتع الدول المتقدمة بمستويات دخل مرتفعة ومعدلات بطالة أقل نسبياً، بينما تعاني العديد من دول العالم الثالث من ارتفاع معدلات البطالة واتساع رقعة الفقر، خاصة في الدول التي تعاني من ضعف التنمية الاقتصادية أو من النزاعات والصراعات.

وانطلاقاً من هذه المعطيات، تهدف هذه الدراسة إلى تحليل العلاقة بين البطالة والفقر ومستويات الدخل في الاقتصاد العالمي، من خلال عرض وتحليل أهم المؤشرات الاقتصادية المتعلقة بهذه الظواهر، وبيان الفوارق بين الدول المتقدمة والدول النامية، وصولاً إلى استخلاص عدد من الاستنتاجات والتوصيات التي يمكن أن تسهم في معالجة هذه المشكلة الاقتصادية والاجتماعية المهمة".

مشكلة الدراسة

تتمثل مشكلة الدراسة في تزايد معدلات البطالة في العديد من دول العالم وما يرافقها من ارتفاع في مستويات الفقر وتراجع في مستويات الدخل، الأمر الذي يثير تساؤلات مهمة حول طبيعة العلاقة بين هذه المتغيرات الاقتصادية، ومدى تأثيرها في تحقيق التنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي.

أهداف الدراسة

تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف أهمها:

1. تحليل العلاقة بين البطالة والفقر ومستويات الدخل.

2. بيان الفوارق في مستويات الدخل بين الدول المتقدمة والدول النامية.

3. دراسة أثر البطالة في زيادة معدلات الفقر.

4. إبراز دور السياسات الاقتصادية في الحد من البطالة وتحسين مستويات المعيشة.

منهجية الدراسة

تعتمد هذه الدراسة على المنهج التحليلي الوصفي من خلال تحليل البيانات والمؤشرات الاقتصادية العالمية المتعلقة بالبطالة والفقر ومستويات الدخل، إضافة إلى الاستفادة من بعض التقارير الدولية والدراسات الاقتصادية ذات الصلة بالموضوع.

واقع البطالة والفقر في العالم

لم تعد مشكلة البطالة حكراً على دول العالم الثالث، بل أصبحت واحدة من أخطر التحديات التي تواجه مختلف دول العالم، سواء كانت متقدمة أم نامية، وبغض النظر عن أنظمتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. فالتحولات التي شهدها الاقتصاد العالمي خلال العقود الأخيرة، لاسيما في ظل العولمة والتغيرات التكنولوجية المتسارعة، جعلت البطالة ظاهرة عالمية مركبة تتداخل فيها عوامل هيكلية ودورية واجتماعية.

وتُعد البطالة مؤشراً مهماً لقياس كفاءة الأداء الاقتصادي، إذ أن الاقتصاد الذي يعاني من معدلات بطالة مرتفعة ومستمرة يفقد تدريجياً جزءاً من طاقته الإنتاجية وموارده البشرية، مما ينعكس سلباً على معدلات النمو والدخل القومي ومستويات الرفاه الاجتماعي.

تنشأ البطالة عادة نتيجة عدم التوازن بين عرض العمل والطلب عليه، أي نتيجة اختلال العلاقة بين عدد الأفراد الراغبين والقادرين على العمل، وبين فرص العمل المتاحة في السوق، ويمكن تعريف البطالة بأنها: "الفرق بين كمية العمل المعروضة وكمية العمل المطلوبة". كما تعرف بأنها تعطل الأشخاص القادرين على العمل والراغبين فيه، والباحثين عنه دون أن يجدوا فرصة مناسبة. وقد أثار جدل واسع بين الاقتصاديين حول تحديد مفهوم العاطل عن العمل، فهناك من يختزل مفهوم البطالة على من لا يستطيع الحصول على عمل في أي مهنة وبأي أجر وفي أي مكان، بل أن التعريف الأكثر إتماماً ودقة يتمثل في أن:

"كل شخص في سن العمل، لديه رغبة في العمل، ويبحث عنه، ولم يجده، يُعد في حالة بطالة".

وهذا التعريف ينطبق على مختلف المجتمعات وبغض النظر عن البعد الاقتصادي والاجتماعي للظاهرة.

تتفاقم مشكلة البطالة في الدول النامية نتيجة عدة عوامل مترابطة من أبرزها ضعف معدلات النمو الاقتصادي ومحدودية المدخرات المحلية وعدم كفايتها لتمويل الاستثمارات المنتجة، وضيق القاعدة الإنتاجية والصناعية بالإضافة إلى العجز عن مواكبة النمو السكاني المرتفع.

وتتميز المجتمعات النامية بكونها مجتمعات فتية ترتفع فيها نسبة الشباب، الأمر الذي يخلق فجوة بين الأعداد المتزايدة من الداخلين الجدد إلى سوق العمل، وبين محدودية المشاريع الإنتاجية القادرة على استيعابهم، وينتج عن هذا الخلل البنيوي تفاقم البطالة، خاصة بين فئة الشباب المتعلم.

تتخذ البطالة صوراً متعددة من أهمها:

١- البطالة الاختيارية: وتحدث عندما يختار الفرد عدم العمل بإرادته، رغم توفر فرص عمل يراها غير مناسبة له.

٢- البطالة غير الاختيارية وتتحقق عندما يكون الفرد قادراً وراغباً في العمل، حتى عند مستوى الأجور السائدة أو أقل لكنه لا يجد فرصة عمل.

٣- البطالة المقنعة (المخفية) وهي حالة وجود عمال يحصلون على أجور دون أن يقابل ذلك إنتاج حقيقي، بحيث أن الاستغناء عنهم لا يؤدي إلى انخفاض في حجم الإنتاج الكلي، وتنتشر هذه الظاهرة غالباً في القطاعات الحكومية المتضخمة في بعض الدول النامية.

٤- البطالة الاحتكاكية وتنشأ نتيجة الفترة الزمنية التي يحتاجها العامل للانتقال من وظيفة إلى أخرى، أو بسبب طبيعة بعض المهن غير المنتظمة.

٥- البطالة الموسمية (الفصلية): وترتبط بتعاقب الفصول، كما في الزراعة أو السياحة، وهي بطالة مؤقتة تزول بزوال موسمها.

٦- البطالة الدورية: وترتبط بدورات النشاط الاقتصادي، حيث ترتفع في فترات الركود وتنخفض في فترات الانتعاش.

٧- البطالة الفنية أو التكنولوجية: وتنشأ نتيجة إحلال التكنولوجيا والآلات محل العمل البشري.

كما يمكن إدراج فئة العمال (الحديين) ضمن الفئات الأكثر عرضة للبطالة، وهم الذين يفتقرون إلى المهارات أو الخبرات الكافية، أو يعانون من مشكلات صحية جزئية مما يجعلهم أقل تنافسية في سوق العمل.

كما لا تقتصر آثار البطالة على الجانب الاقتصادي، بل إنها تمتد إلى الجوانب الاجتماعية والنفسية. فمن الناحية الاجتماعية تؤدي البطالة إلى زيادة معدلات الفقر وتفكك الروابط الأسرية وتصاعد التوترات النفسية والعصبية، وارتفاع بعض أشكال الانحراف والجريمة نتيجة الضغوط الاقتصادية.

أما من الناحية الاقتصادية فإن ارتفاع معدلات البطالة يؤدي إلى انخفاض الطلب الفعال نتيجة تراجع القدرة الشرائية وتقليل الإنتاج بسبب ضعف الاستهلاك وتسريح مزيد من العمال، مما يدخل الاقتصاد في حلقة انكماشية مفرغة وهذا سيؤدي إلى انخفاض الدخل القومي وهدر في الموارد البشرية واختلال في الموازنة العامة وميزان المدفوعات وضغط نزولي على الأجور نتيجة قبول العمال بأجور أدنى وبذلك تشكل البطالة عاملاً رئيسياً في تعميق الاختلالات الهيكلية داخل الاقتصاد الوطني.

وترتبط البطالة ارتباطاً وثيقاً بالفقر، إذ أن فقدان مصدر الدخل المنتظم يؤدي مباشرة إلى انخفاض مستوى المعيشة ويزيد من هشاشة الأسر اقتصادياً، وكلما طالت مدة البطالة، زادت احتمالات الانزلاق إلى الفقر المزمن.

وفي سياق عالمي، تسهم البطالة في اتساع الفجوة بين الدول المتقدمة والدول النامية، خاصة في ظل نظام اقتصادي دولي غير متكافئ، حيث تتركز فرص الاستثمار والتكنولوجيا في دول الشمال.

بينما تعاني دول الجنوب من ضعف التصنيع والاعتماد على الاقتصاد الريفي، مما يحد من قدرتها على توليد فرص عمل مستدامة.

اختلفت مدارس الفكر الاقتصادي في تفسير أسباب البطالة وسبل معالجتها، فيرى رواد المدرسة الكلاسيكية مثل آدم سميث وديفيد ريكاردو، أن السوق يتمتع بقدرة ذاتية على تحقيق التوازن عبر آلية العرض والطلب، بما في ذلك سوق العمل. ووفق هذا المنظور، فإن البطالة تنشأ غالباً بسبب تدخلات خارجية تعيق مرونة الأجور، مثل تحديد حد أدنى مرتفع للأجور أو القيود النقابية. وبموجب هذا الاتجاه، فإن تخفيض الأجور إلى مستوى التوازن كفيل بإعادة التوظيف الكامل، إذ أن البطالة في رأيهم حالة مؤقتة ناتجة عن اختلال آلية السوق.

أما المدرسة الكنزية خالفت هذا الطرح بعد أزمة الكساد الكبير عام (1929)، حيث بيّن الاقتصادي البريطاني "جون ماينارد كينز"، أن الاقتصاد قد يستقر عند مستوى توازن يتسم ببطالة مرتفعة. ويرى كينز أن السبب الرئيسي للبطالة هو نقص الطلب الكلي الفعال، وليس فقط ارتفاع الأجور. وبالتالي فإن معالجة البطالة تتطلب تدخلاً حكومياً من خلال زيادة الإنفاق العام والعمل على تحفيز الاستثمار وتنشيط الطلب الكلي. ومن هنا أصبح دور الدولة محورياً في تحقيق الاستقرار الاقتصادي وخفض معدلات البطالة.

"أما كارل ماركس فقد قدم تفسيراً بنيوياً للبطالة، حيث يرى أنها ليست ظاهرة عرضية، بل جزء أساسي من النظام الرأسمالي، فالنظام الرأسمالي يحتاج لهذا التحليل يحتاج إلى ما يسمى (جيش الاحتياط من العمال) للضغط على الأجور وضمان استمرار تراكم رأس المال. ومن هذا المنظور، فإن البطالة تستخدم كأداة لإبقاء العمال في حالة تنافس دائم، مما يعزز قوة أصحاب رأس المال ويضعف القدرة التفاوضية للطبقة العاملة.

كما أن البطالة ليس مجرد مؤشر اقتصادي، بل تمثل قضية حقوقية تمس كرامة الإنسان واستقراره الاجتماعي. فقد نصت المادة (23) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن (لكل شخص الحق في العمل، وفي حرية اختيار عمله وفي شروط عمل عادلة ومرضية وفي الحماية من البطالة). وبالتالي فإن تفشي البطالة خاصة عندما تكون (هيكلية ومزمنة)، يشير الخلل إلى خلل في قدرة الدولة أو النظام الاقتصادي على ضمان أحد الحقوق الأساسية للإنسان.

كما أن البطالة ترتبط مباشرة بجملة من الحقوق الأخرى مثل، الحق في مستوى معيشي لائق والحق في التعلم وفي الصحة وفي الضمان الاجتماعي. ففقدان العمل يعني فقدان الدخل، مما يؤدي إلى تراجع القدرة على الحصول على الغذاء والسكن والرعاية الصحية والتعليم وبالتالي تتحول البطالة إلى مدخل رئيسي لإعادة إنتاج الفقر وعدم المساواة."

وفيما يلي تحليل مقارن لمعدلات البطالة عالمياً؛ حيث شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات البطالة في عدد من البلدان في مختلف بلدان العالم، في ظل تشديد السياسات النقدية لمكافحة التضخم، وما خلفته جائحة كورونا من اضطرابات اقتصادية عميقة، فضلاً عن تباطؤ النمو العالمي، وتراجع الاستثمارات، وصعوبة الحصول على التمويل الدولي، وقد انعكس ذلك بصورة مباشرة على أسواق العمل، خاصة في الاقتصادات الهشة أو المتأثرة بالصراعات.

والجدول رقم (1) يبين لنا أعلى معدلات البطالة عالمياً (تقديرات عام 2025):

م البلد نسبة البطالة

1 السودان 62%

2 إسواتيني 37.6%

3 جنوب أفريقيا 32.28%

4 جيبوتي 26.0%

5 فلسطين (غزة والضفة الغربية) 24.1%

6 بوتسوانا 23%

7 الغابون 20%

التحليل الإحصائي:

يتضح من الجدول تصدر السودان قائمة أعلى معدلات البطالة عالمياً بنسبة تتجاوز 60%، وهو معدل يعكس حجم الأزمات السياسية والاقتصادية والصراعات الداخلية التي أدت إلى تعطيل القطاعات الإنتاجية وتراجع الاستثمار.

وتليها دول أفريقية مثل إسواتيني وجنوب أفريقيا بمعدلات تفوق 30%، وهو ما يشير إلى اختلالات هيكلية عميقة في سوق العمل، منها ضعف التصنيع وارتفاع عدم المساواة وتباطؤ النمو الاقتصادي.

كما تضم القائمة دولاً مثل جيبوتي، فلسطين، بوتسوانا والجابون، حيث تعاني هذه الدول من تحديات كبيرة في خلق فرص عمل مستدامة، سواء بسبب محدودية القاعدة الإنتاجية أو الاعتماد على قطاعات أولية، أو ظروف سياسية وأمنية معقدة.

ويلاحظ أن معظم الدول ذات المعدلات الأعلى تنتمي إلى اقتصادات نامية أو متأثرة بعدم الاستقرار، مما يؤكد الترابط بين هشاشة البنية الاقتصادية وارتفاع البطالة.

والجدول رقم (2) يبين لنا أدنى معدلات البطالة عالمياً للأعوام (2023 2024) :

م البلد نسبة البطالة

1 قطر 0.1%

2 بيلاروسيا 0.1%

3 كمبوديا 0.2%

4 النيجر 0.5%

5 تايلاند 0.7%

6 بوروندي 0.9%

7 تشاد 1%

8 البحرين 1.1%

تكشف البيانات في الجدول رقم (٢) تصدر قطر قائمة أدنى معدلات البطالة عالمياً، ويرتبط ذلك بعدة عوامل منها صغر عدد السكان.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من وكالة الحدث العراقية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من وكالة الحدث العراقية

منذ ساعة
منذ 16 دقيقة
منذ 7 دقائق
منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ ساعة
موقع رووداو منذ 8 ساعات
عراق 24 منذ 6 ساعات
قناة السومرية منذ 18 ساعة
عراق أوبزيرڤر منذ 4 ساعات
عراق 24 منذ 13 ساعة
قناة السومرية منذ 16 ساعة
قناة السومرية منذ 5 ساعات
قناة الاولى العراقية منذ 3 ساعات