أصدر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان مرسوماً جمهورياً بتعيين محمد باقر ذو القدر أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي، في خطوة جاءت بموافقة مباشرة من المرشد الأعلى، ما يعكس حساسية المنصب وأهمية التوقيت السياسي والأمني لهذا القرار.
ووفق معطيات رسمية وتصريحات إيرانية، فإن تعيين ذو القدر لا يُعد إجراءً إدارياً تقليدياً، بل يأتي ضمن ما يوصف بـ دائرة الثقة الضيقة داخل بنية النظام، خاصة أن المجلس الأعلى للأمن القومي يُعد الهيئة الأهم في رسم السياسات الاستراتيجية المتعلقة بالأمن القومي والسياسة الخارجية والدفاع.
سيرة شخصية وعسكرية
وُلد محمد باقر ذو القدر عام 1955 في مدينة فسا بمحافظة فارس، ويحمل خلفية أكاديمية في الاقتصاد من جامعة طهران، قبل أن يحصل لاحقاً على دكتوراه في الإدارة الاستراتيجية من جامعة الدفاع الوطني.
انخرط في العمل الثوري ضد نظام الشاه في سن مبكرة، ومع انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، كان من المؤسسين الأوائل للجان الثورة الإسلامية، ثم التحق بالحرس الثوري الإيراني، حيث بدأ مسيرته العسكرية.
وخلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، برز كأحد القادة الميدانيين، إذ تولى مسؤوليات التدريب العسكري، قبل أن يتدرج إلى قيادة عمليات القتال غير النظامي، ما منحه خبرة واسعة في حرب العصابات والعمليات الاستخباراتية خلف خطوط الخصم.
مسيرة في مواقع حساسة
شغل ذو القدر سلسلة من المناصب الرفيعة داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، إذ تولى منصب رئيس أركان الحرس الثوري لمدة ثماني سنوات خلال فترة رئاسة هاشمي رفسنجاني، ثم أصبح نائباً للقائد العام للحرس الثوري لثماني سنوات أخرى.
كما عُيّن نائباً لوزير الداخلية للشؤون الأمنية في عهد الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد بين عامي 2005 و2007، قبل أن يُقال من منصبه على خلفية خلافات تتعلق بتقدير الموقف العسكري، خصوصاً بشأن احتمالات مواجهة مع الولايات المتحدة.
وفي مسيرته اللاحقة، تولى مناصب مؤثرة في السلطة القضائية، إلى جانب عضويته في مجلس تشخيص مصلحة النظام، ما أتاح له الاطلاع على ملفات استراتيجية تتعلق بالأمن الداخلي والسياسات العليا للدولة.
مواقفه السياسية
يُعرف محمد باقر ذو القدر بمواقفه المتشددة، ويُعد من أبرز المعارضين للتيار الإصلاحي في إيران. ففي بدايات الثورة، انضم إلى منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية ، لكنه انفصل عنها لاحقاً وساهم في حلها نتيجة خلافات فكرية مع جناحها اليساري.
وخلال فترة الرئيس الأسبق محمد خاتمي في تسعينيات القرن الماضي، كان من بين القيادات العسكرية التي وقّعت رسالة تحذيرية شديدة اللهجة، لوّحت بإمكانية تدخل الجيش لاحتواء الاحتجاجات الطلابية، وهو ما يعكس توجهاته الصارمة في التعامل مع الاضطرابات الداخلية.
دلالات التعيين
يأتي تعيين ذو القدر في مرحلة تواجه فيها إيران تحديات داخلية وخارجية معقدة. وعلى الصعيد الداخلي، يُنظر إليه كشخصية أمنية قادرة على التعامل بحزم مع أي اضطرابات، بالنظر إلى تاريخه في إدارة الملفات الأمنية.
أما خارجياً، فيُفسَّر اختياره على أنه مؤشر على تعزيز الطابع الأمني والعسكري في إدارة الملفات الاستراتيجية، خاصة في ما يتعلق بالعلاقات الإقليمية والملف النووي، حيث يُتوقع أن يجمع بين المرونة التفاوضية والصلابة في حماية النفوذ الإيراني.
شبكة العلاقات والدور المرتقب
تشير تقديرات إلى أن ذو القدر يمتلك شبكة علاقات تمتد بين المؤسسات العسكرية والأمنية والدبلوماسية، ما يعزز من قدرته على التنسيق بين أجهزة الدولة المختلفة.
وبصفته أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي، سيتولى مسؤولية تنسيق السياسات بين الحرس الثوري، وأجهزة الاستخبارات، ووزارة الخارجية، فضلاً عن الإشراف على تنفيذ القرارات الاستراتيجية المرتبطة بالأمن القومي الإيراني.
ويُتوقع أن يلعب دوراً محورياً في إدارة ملفات إقليمية حساسة، من بينها العراق وسوريا ولبنان واليمن، ضمن مقاربة تدمج بين العمل الميداني والأدوات السياسية والدبلوماسية.
هذا المحتوى مقدم من عراق أوبزيرڤر



