نعيش في وقتنا الراهن موجة تتشكل فيها قراءات الواقع من التحليلات والتكهنات والتفسيرات التي يقدمها مفكرون ومحللون وصحفيون وأكاديميون، بل وأحيانًا منجمون، حول الحرب القائمة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. وعلى الرغم من كثرة هذه الأصوات، فإن كثيرًا من هؤلاء المفكرين والكتاب والمحللين يلجؤون في تفسيراتهم وتوقعاتهم إلى تقارير غربية وتحليلات صادرة عن مراكز التفكير ومراكز الأبحاث، أو إلى آراء أشخاص يعملون داخل تلك المؤسسات. وهذا يضعنا أمام ضرورة قراءة متأنية لما تطرحه هذه المراكز وما تسوق له من نظريات وفرضيات، إذ قد يجد الباحث العربي نفسه أسيرًا لهذه الأطروحات وكأنه مجرد صدى لما ينتج ويروج، سواء بوعي أو دون وعي، وقد يغفل عن الحقائق المرتبطة بالواقع على الأرض. وعلى الرغم من أن العالم يفترض أنه متعدد الأصوات والتفسيرات، فإن ما نلاحظه هو إعادة صياغة النقاشات الكبرى داخل دوائر محدودة تعرف بالحلقات الأمريكية (cercles)، ثم يعاد إنتاجها عالميا، ليتم تداولها وترديدها عبر وسائل الإعلام أو من خلال بعض الدوائر الفكرية العربية. ولعل نجاح أطروحات مثل صدام الحضارات لصمويل هنتنجتون الذي ترجم إلى 35 لغة وانتشر بملايين النسخ لا يكمن فقط في محتواه، بل في قدرته على تحديد إطار النقاش العالمي نفسه. فالمسألة لم تعد في من يوافق أو يعارض، بل في من يملك حق طرح السؤال ابتداءً. ويمكن إسقاط ذلك على ما يطرح اليوم من سيناريوهات حول الحرب، والتي تبنى في كثير من الأحيان على أطر تحليلية جاهزة. هذه الهيمنة الفكرية والآراء الأحادية ترتبط ببنية مؤسسية واضحة تنطلق من مراكز التفكير والأبحاث. فوفق بعض المعطيات، تضم الولايات المتحدة وحدها نحو 1500 مركز تفكير، ضمن شبكة عالمية تبلغ 5465 مركزًا في 169 دولة، مع نمو متسارع خلال العقود الأخيرة. ويلفت الانتباه إلى أن قائمة أفضل مراكز التفكير في السياسة الدولية والأمن تكاد تخلو من مراكز خارج الفضاء الأمريكي.
مما يدفعنا للتساؤل: هل يعجز بقية العالم عن إنتاج معرفة إستراتيجية معتبرة؟ أم أن معايير الأفضلية نفسها تصاغ داخل إطار قيمي تحدده تلك المراكز؟ تزداد هذه الإشكالية وضوحا إذا علمنا أن تلك المراكز الأمريكية لا تترجم سوى أقل من 3 % من الكتب الأجنبية، وهو ما يعني أن النظام المعرفي المهيمن لا يستهلك إنتاج الآخرين بقدر ما يعيد تفسيره من زاويته الخاصة. وفي هذا السياق، يظهر الحضور المحدود لمراكز التفكير خارج هذا الإطار، حتى في مناطق نشطة مثل الخليج، حيث لا يذكر دورها إلا بشكل ثانوي......
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
