ليست الإدارة، كما يُظن للوهلة الأولى، مجموعة من القواعد والإجراءات التي تُطبّق على نحوٍ آلي، بل هي بنية متحركة تتشكل وفق نمطين متباينين من الحضور: نمط يميل إلى الامتلاء والانتشار، وآخر يتجه نحو التركيز والاختراق. وفي هذا التباين، لا نكون أمام مدرستين منفصلتين بقدر ما نكون أمام إدارة واحدة تعيد تعريف نفسها تبعًا لطريقة تنظيمها لقواها ومواردها.
ففي صورتها الأولى، تبدو الإدارة كضوءٍ منتشر يملأ الفضاء التنظيمي دون أن يفرض عليه مسارًا حاسمًا. تتكاثر فيها اللوائح، وتتسع فيها قنوات الاتصال، وتتشعب القرارات حتى تكاد تغطي كل زاوية من زوايا المؤسسة. هنا، يكون الحضور الإداري كثيفًا من حيث الشكل، لكنه موزّع من حيث الفعل. الجميع يشارك، والجميع يتحدث، والعمليات تسير، لكن دون إيقاع موحّد يربط هذه الأجزاء في بنية متماسكة. إنها إدارة الامتلاء: تُشبع النظام بالإجراءات، لكنها لا تضمن دائمًا فعالية النتائج.
في هذا النمط، لا تغيب النوايا الحسنة ولا الجهود المبذولة، لكن الطاقة تتبدد في مسارات متعددة. القرار يُصاغ عبر طبقات، والتنفيذ يمر عبر حلقات، والتقييم يتأخر حتى يفقد معناه. وكأن المؤسسة تضيء نفسها باستمرار، لكنها لا تركز هذا الضوء في نقطة قادرة على إحداث تغيير نوعي. إنها حالة من الحضور الشامل الذي يفتقر إلى الحسم، ومن النشاط الدائم الذي لا يبلغ دائمًا غايته.
في المقابل، تنبثق صورة أخرى للإدارة، أقرب إلى شعاعٍ مركز يخترق بدل أن ينتشر. هنا، لا يكون الهدف ملء الفراغ التنظيمي، بل تحديد مسار واضح داخله. تقلّ الإجراءات إلى الحد الذي يخدم الفعل، وتتوحّد الرؤية بحيث تتحرك الوحدات المختلفة وفق إيقاع واحد. القرار لا يتكاثر، بل يتكثف؛ لا يُعاد إنتاجه في كل مستوى، بل يُصاغ بدقة وينفذ بوضوح. إنها إدارة الاختراق: لا تقيس قوتها بعدد ما تنتجه من لوائح، بل بقدرتها على تحقيق أثر محدد في زمن محدد.
في هذا النمط، تتجه الطاقة نحو الهدف بدل أن تتوزع حوله. الموارد تُحشد، والجهود تُنسّق،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من مجلة نقطة العلمية
