شهدت أسواق النفط العالمية خلال العقدين الماضيين 5 موجات رئيسية تجاوزت فيها الأسعار مستوى 100 دولار للبرميل، في ظاهرة تعكس تفاعلاً معقداً بين العوامل الجيوسياسية، وديناميكيات العرض والطلب، وتدفقات رؤوس الأموال.
تُظهر هذه الدورات نمطاً متكرراً عادة يتمثل في: صعود حاد مدفوع بمحفزات استثنائية، يعقبه تصحيح سريع مع تغيّر الظروف الاقتصادية أو السياسية.
الموجة الأولى: صعود النفط إلى 147 دولاراً وسط فقاعة 2008 حدثت طفرة تاريخية في أسعار الطاقة قبل الانهيار العالمي في ذلك العام، حيث دفع الطلب الآسيوي والمضاربات سعر النفط إلى ذروة قياسية، وعمّق نمو الصين والهند فجوة العرض والطلب عالمياً، كما عزز ضعف الدولار تدفقات الاستثمار نحو السلع.
وسجلت أسواق الطاقة واحدة من أكثر الفترات تقلباً في تاريخها الحديث بين عامي 2007 و2008، حين قفزت أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة، متجاوزة حاجز 100 دولار للبرميل للمرة الأولى في القرن الحادي والعشرين، قبل أن تبلغ ذروتها التاريخية عند نحو 147 دولاراً في يوليو 2008، في ذروة موجة صعود حادة مدفوعة بعوامل اقتصادية ومالية متشابكة.
هذا الارتفاع الاستثنائي لم يكن وليد لحظة، بل جاء نتيجة تراكمات بدأت منذ عام 2007، مع تسارع نمو الاقتصادات الناشئة، وعلى رأسها الصين والهند، ما أدى إلى طفرة غير مسبوقة في الطلب العالمي على الطاقة.
وبحسب تقديرات وكالة الطاقة الدولية، فقد تجاوز نمو الطلب العالمي على النفط 1.5 مليون برميل يومياً سنوياً خلال تلك الفترة، وهو مستوى قياسي ساهم في توسيع الفجوة بين العرض والطلب.
في الوقت ذاته، لعب ضعف الدولار الأميركي دوراً محورياً في تعزيز جاذبية السلع، حيث اتجه المستثمرون إلى النفط كملاذ للتحوط من تراجع العملة الأميركية. ومع تدفق رؤوس الأموال إلى أسواق العقود الآجلة، ارتفعت حدة المضاربات، ما أدى إلى تضخيم الأسعار بوتيرة أسرع من العوامل الأساسية للسوق.
: تقلبات سوق النفط تنهك المتداولين مع استمرار حرب إيران
رغم أن التوترات الجيوسياسية خلال تلك الفترة لم تكن العامل الحاسم، لكنها ساهمت في تعزيز حالة القلق بشأن الإمدادات، ما أضاف علاوة مخاطرة إلى الأسعار.
تداخلت أربعة عوامل رئيسية في تشكيل تلك الطفرة، هي: الطلب الآسيوي المتسارع، ضعف الدولار، تنامي المضاربات، والمخاوف الجيوسياسية المحدودة.
اقتصادياً، انعكست هذه القفزة في الأسعار على معدلات التضخم العالمية، خاصة في الدول المستوردة للطاقة، حيث ارتفعت تكاليف النقل والإنتاج بشكل ملحوظ، ما ضغط على هوامش الشركات وأضعف وتيرة النمو الاقتصادي. في المقابل، استفادت الدول المصدرة للنفط وشركات الطاقة الكبرى من العائدات القياسية، محققة فوائض مالية غير مسبوقة.
لكن هذه الطفرة لم تدم طويلاً، إذ سرعان ما انهارت الأسعار مع اندلاع الأزمة المالية العالمية 2008 في سبتمبر من العام نفسه، لتفقد الأسواق زخمها سريعاً، ويتراجع سعر النفط إلى أقل من 40 دولاراً بنهاية 2008، في واحدة من أسرع دورات الانعكاس في تاريخ أسواق السلع.
وتبقى تلك المرحلة مثالاً بارزاً على هشاشة التوازن في أسواق الطاقة، حيث يمكن لعوامل الطلب والمال والسياسة أن تدفع الأسعار إلى مستويات قياسية، قبل أن تعصف بها صدمات الاقتصاد الكلي، في مشهد يتكرر بأشكال مختلفة حتى اليوم.
الثانية: 2011 2014 سنوات الاستقرار المرتفع شهدت أسواق النفط بين عامي 2011 و2014 واحدة من أطول فترات الاستقرار السعري المرتفع في تاريخها الحديث، حيث حافظت الأسعار على مستويات تفوق 100 دولار للبرميل، متراوحة بين 100 و120 دولاراً، في ظل مزيج معقد من العوامل الجيوسياسية والاقتصادية.
هذا الاستقرار اللافت جاء في سياق إقليمي مضطرب، مع اندلاع الربيع العربي، الذي ألقى بظلاله على إمدادات النفط، لا سيما من ليبيا، إحدى الدول الرئيسية المنتجة داخل منظمة "أوبك". وأسهمت هذه الاضطرابات في إبقاء الأسواق في حالة توتر مستمر، ما دعم الأسعار عند مستويات مرتفعة.
وبحسب البنك الدولي، فإن أسواق النفط خلال تلك الفترة كانت "مدفوعة بعوامل جيوسياسية أكثر من العوامل الاقتصادية التقليدية"، في إشارة إلى أن المخاطر السياسية باتت المحدد الرئيسي لحركة الأسعار، متقدمة على أساسيات العرض والطلب.
إلى جانب ذلك، لعبت السياسات النقدية التوسعية التي تبنتها الاقتصادات الكبرى بعد الأزمة المالية العالمية 2008 دوراً مهماً في دعم الطلب على الطاقة، إذ ساهمت أسعار الفائدة المنخفضة وبرامج التحفيز في تعزيز النشاط الاقتصادي، وإن بوتيرة معتدلة.
ورغم أن النمو العالمي لم يعد إلى زخمه السابق للأزمة، فإنه بقي كافياً للحفاظ على مستويات طلب مستقرة، ما عزز حالة التوازن النسبي في السوق، وإن كان توازناً هشاً يعتمد بدرجة كبيرة على استمرار الاضطرابات الجيوسياسية.
اقتصادياً، وفّرت هذه الأسعار المرتفعة دعماً قوياً لإيرادات الدول المنتجة، خصوصاً لدى أعضاء "أوبك" وشركات النفط الراسخة، التي سجلت أرباحاً قوية خلال تلك الفترة.
في المقابل، شكّلت هذه الطفرة عبئاً على الاقتصادات المستوردة، لا سيما في أوروبا، حيث أعاقت تكاليف الطاقة المرتفعة وتيرة التعافي الاقتصادي، كما زادت الضغوط على الاقتصادات الناشئة التي تعاني من عجز تجاري.
غير أن هذا الاستقرار على ارتفاع لم يدم طويلاً، إذ بدأت ملامح تحول هيكلي في السوق مع صعود إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة، الذي أدى إلى زيادة كبيرة في المعروض العالمي.
ومع تسارع هذا التحول، فقدت الأسعار دعمها تدريجياً، لتتراجع إلى نحو 50 دولاراً للبرميل بحلول عام 2015، معلنة نهاية مرحلة الاستقرار المرتفع وبداية دورة جديدة في أسواق الطاقة.
وتعكس هذه المرحلة كيف يمكن للعوامل الجيوسياسية أن تفرض واقعاً سعرياً مستقراً ظاهرياً، لكنه يبقى عرضة لتحولات هيكلية مفاجئة، تعيد رسم خريطة السوق في وقت قصير.
الثالثة: حرب أوكرانيا تشعل النفط في 2022 أعادت الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022 رسم ملامح أسواق الطاقة العالمية، بعدما قفزت أسعار النفط بسرعة قياسية متجاوزة 100 دولار للبرميل، قبل أن تلامس مستويات تفوق 120 دولاراً خلال أسابيع، في صدمة حادة أعادت إلى الأذهان.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من اقتصاد الشرق مع Bloomberg
