أولاً المقدمة: الإطار المفاهيمي للعنف الأمريكي الخارجي
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تبوأت الولايات المتحدة الأمريكية موقع القوة المهيمنة في النظام الدولي، مستخدمةً قوتها العسكرية و الاقتصادية والتأثير السياسي لفرض نموذجها للهيمنة.
لم تكن الحروب التي خاضتها ضد شعوب العالم مجرد ردود أفعال تجاه تهديدات، بل كانت في جوهرها أداة استراتيجية منهجية لحماية مصالح النخبة الحاكمة و الشركات متعددة الجنسيات.
تتطلب قراءة هذه الظاهرة تجاوز السرديات الرسمية التي تزعم نشر الديمقراطية أو مكافحة الإرهاب، نحو تحليل مادي واقعي للدوافع والآليات.
ثانياً الدوافع: ما وراء إعلان الحرب
تتعدد الدوافع الكامنة وراء شن الحروب الأمريكية، ويمكن حصرها في أربع فئات رئيسية:
1.الدوافع الاقتصادية من خلال الهيمنة على الموارد:
حيث تأتي السيطرة على مصادر الطاقة (النفط والغاز) والموارد الاستراتيجية في مقدمة الأولويات. حروب الخليج العربي (1991 2003) كانت نموذجاً صارخاً لتأمين إمدادات النفط و حماية الدولار كعملة احتكارية للتسعير.
كما تسعى الشركات الأمريكية الكبرى (المقاولون العسكريون مثل Lockheed Martin و Raytheon، وشركات النفط) إلى تأمين عقود إعادة الإعمار والنفاذ إلى الأسواق بعد تدمير الدول.
2.الدوافع الجيوسياسية بالحفاظ على أحادية القطبية:
تسعى واشنطن إلى منع ظهور أي قوة إقليمية منافسة (إقليمياً أو عالمياً) قادرة على تحدي نظامها. حروب أفغانستان والعراق كانت جزءاً من مشروع الشرق الأوسط الكبير لتفكيك الدول التي تمتلك مشاريع وطنية مستقلة أو تشكل عقبة أمام الهيمنة الإسرائيلية و الإقليمية.
3.الدوافع الأيديولوجية من خلال فرض النموذج الليبرالي الغربي:
تُوظف شعارات مثل نشر الديمقراطية و حقوق الإنسان كغطاء أخلاقي لعمليات إعادة هيكلة سياسية تخدم المصالح الأمريكية.
في الواقع، غالباً ما تؤدي هذه التدخلات إلى إضعاف الدولة الوطنية و تفكيك النسيج الاجتماعي، مما ينتج دولاً هشة يسهل اختراقها.
4.الدوافع الداخلية المجمع الصناعي العسكري:
أشار الرئيس الأسبق دوايت أيزنهاور إلى خطر المجمع الصناعي العسكري .
اليوم، أصبحت الحروب وسيلة لإعادة توزيع الثروة العامة لصالح شركات الدفاع، حيث لا يمكن لإدارة أمريكية أن توقف دورة التصنيع العسكري دون خسائر فادحة في فرص العمل في ولايات حاسمة انتخابياً.
ثالثاً السياسات والأهداف: آليات الهدم وإعادة الإنتاج
تتبع الإدارات الأمريكية المتعاقبة سياسات ثابتة في جوهرها رغم اختلاف التكتيكات:
1.سياسة الحرب الوقائية: و التي أعلنتها استراتيجية الأمن القومي في عهد بوش الابن، و التي تبيح شن حروب على دول لم تهاجم الولايات المتحدة بناءً على تهديد محتمل .
هذه السياسة قوضت ميثاق الأمم المتحدة ومبدأ السيادة الوطنية.
2.الحروب بالوكالة:
تسليح جماعات مسلحة وفصائل في دول مثل سوريا واليمن وأوكرانيا لاستنزاف الخصوم (روسيا، إيران) دون إرهاق مباشر للجيش الأمريكي، مع إطالة أمد الصراعات لتحقيق مكاسب جيوسياسية.
3.العقوبات كحرب اقتصادية:
أصبحت العقوبات الشاملة (كما في حالة إيران، فنزويلا، سوريا) سلاحاً بديلاً عن الحرب المباشرة، تستهدف شل الاقتصاد الوطني وإحداث المجاعة و الضغط على الشعوب لإجبار حكوماتها على الاستسلام.
4.الهدف الاستراتيجي الأعلى:
يتمثل في منع أي تحول في النظام الدولي نحو التعددية القطبية، و تأمين البيئة الدولية لتدفق رؤوس الأموال الأمريكية والبضائع والهيمنة على المعايير التقنية والرقمية.
رابعاً طرق التمويل: كيف تدفع الشعوب الثمن مرتين؟
تمويل الحروب الأمريكية يتم عبر آليات معقدة تتجاوز مجرد الميزانية الفيدرالية:
1.الاقتراض العام (الدين الوطني)، حيث لم تمول الولايات المتحدة حروبها الأخيرة عبر الضرائب المباشرة، بل عبر الاقتراض من صناديق التقاعد والجهات السيادية الأجنبية (خاصة الصين واليابان سابقاً). وهذا يعني أن شعوب العالم تساهم عبر احتياطاتها في تمويل الحروب التي تُشن ضدها أو ضد حلفائها.
2.الإنفاق الطارئ من خلال قيام الإدارات (بعيداً عن الرقابة الصارمة للموازنة العامة عبر قوانين طارئة) بضخ مئات المليارات من الدولارات دون محاسبة فاعلة.
3.الشراكة بين القطاعين العام والخاص مثل عقود إعادة الإعمار التي تمنح لشركات مثل Halliburton و Blackwater (التي تحولت لاحقاً إلى Constellis) كانت عبارة عن نقل للثروة العامة إلى شركات خاصة بمقابل خدمات مبالغ في قيمتها، مع غياب تام للشفافية.
4.الدعم الإقليمي: في بعض النزاعات، تساهم دول حليفة (للأسف مثل دول الخليج في مراحل معينة من حروب أفغانستان والعراق وسوريا) في تمويل العمليات العسكرية أو تسليح الجماعات، مما يخفف العبء المالي المباشر على الخزانة الأمريكية.
خامساً سبل الإيقاف: نحو استراتيجية تفكيك الهيمنة
لا يمكن إيقاف هذه الحروب عبر الإصلاح الداخلي للنظام السياسي الأمريكي وحده، لأن هذه السياسات تعبر عن مصالح هيكلية متجذرة. بل تتطلب استراتيجية متعددة المستويات:
1.على المستوى الداخلي الأمريكي:
· تفكيك المجمع الصناعي العسكري عبر حملات منظمة لتحويل الإنتاج الحربي إلى مدني، و كسر احتكار شركات الدفاع للاقتصاد في الولايات الصناعية الرئيسية.
· الضغط الانتخابي والمدني بإنهاء ثقافة الخوف و الإرهاب التي تمنح السلطة التنفيذية صلاحيات غير محدودة.
إن تجارب حركة لا للحرب بعد غزو العراق أظهرت أن الضغط الشعبي المنظم يمكن أن يحد من مغامرات الرؤساء، و إن لم يلغِ الهيكل بالكامل.
2.على المستوى الدولي يجب بناء تحالفات الموازنة:
· إنهاء أحادية الدولار: الهيمنة العسكرية الأمريكية مدعومة بقدرتها على طباعة العملة الاحتياطية العالمية.
أي تحول نحو التسويات بالعملات الوطنية (كاليوان أو.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من عين ليبيا
