مصدر الصورة: Getty Images
منذ بدء الهجمات الإيرانية على دول خليجية وتعطّل الملاحة في مضيق هرمز منذ أواخر فبراير/شباط 2026، عاد ملف جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى إلى الواجهة، لا بوصفها نزاعاً حدودياً قديماً فقط، بل كجزء من صراع أوسع على النفوذ والسيادة وأمن الملاحة في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
وبينما تؤكد أبوظبي أن الجزر الثلاث أراضٍ إماراتية تحتلها إيران، تتمسك طهران بأنها جزر إيرانية "أبدية" و"غير قابلة للتفاوض". وبين هذين الموقفين، لا توجد تسوية، بل تراكمٌ من الرسائل المتبادلة في الأمم المتحدة، والبيانات الدبلوماسية، والتوترات التي ترتفع حدّتها كلما اهتزّ مضيق هرمز نفسه.
من هرمز المشتعل إلى الجزر الثلاث منذ 28 فبراير/شباط 2026، دخلت المنطقة مرحلة تصعيد أوسع عقب الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران واغتيال المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي، تبعتها ضربات إيرانية طالت دولاً خليجية، وتعطّل شحنات الطاقة عبر مضيق هرمز، وارتفاع أسعار النفط، وتحول أمن الملاحة إلى ملف دولي ضاغط. وفي 11 مارس/آذار تبنّى مجلس الأمن القرار2817 الذي دان أي تحرك أو تهديد إيراني يستهدف إغلاق المضيق أو عرقلة الملاحة الدولية فيه. كما رحّبت الإمارات لاحقاً بقرار من المنظمة البحرية الدولية يدين "التهديدات والهجمات" على السفن.
لكن طهران تقدم رواية مختلفة. فوزارة الخارجية الإيرانية قالت في 23 و24 مارس/آذار إن مضيق هرمز "ليس مغلقاً"، وإن الملاحة مستمرة، لكنها ربطت المرور بما تصفه باحترام سيادة البلاد الساحلية وباستبعاد السفن "المرتبطة بالأطراف المعتدية". وفي مراسلات مع الأمم المتحدة، وصفت إيران منع مرور سفن مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما بأنه حقّ مشروع في ظل الحرب.
هنا تكتسب الجزر الثلاث أهمية مضاعفة. فهي تقع عند الخاصرة الحساسة للمضيق أو بالقرب منها، ولذلك لا يُنظر إليها اليوم فقط باعتبارها ملف سيادة مؤجلاً منذ 1971، بل كجزء من البنية العسكرية والسياسية التي تجعل إيران لاعباً حاسماً في أمن الممر البحري، وتجعل الإمارات ترى أن النزاع ليس تاريخياً فقط، بل مرتبط مباشرة بتوازن القوى في الخليج. وهذه هي النقطة التي تعيد القضية إلى الواجهة كلما انفجر هرمز.
كيف بدأ النزاع؟ بدأت اللحظة المؤسسة للنزاع بصيغته الحالية عام 1971، بعد انسحاب القوات البريطانية من الخليج. عندها بسطت إيران سيطرتها على طنب الكبرى وطنب الصغرى وعلى جزء من أبو موسى، ثم عززت لاحقاً سيطرتها على أبو موسى كاملة تقريباً من الناحية العملية، فيما بقيت مسألة السيادة موضع خلاف.
ثمة مذكرة تفاهم عام 1971 بين إيران وحاكم الشارقة بشأن أبو موسى، نصّت عملياً على إدارة الجانبين لأجزاء مختلفة من الجزيرة، من دون حسم مسألة السيادة. وهذه نقطة جوهرية، لأنها تفسّر لماذا يختلف وضع أبو موسى قانونياً وسياسياً، في السردية التاريخية، عن وضع طنب الكبرى وطنب الصغرى.
أما الإمارات، التي قامت دولتها الاتحادية في العام نفسه، فتقول إن الجزر كانت تُدار قبل السيطرة الإيرانية من مشيخات أصبحت لاحقاً جزءاً من دولة الإمارات، وبالتالي ورثت الدولة الجديدة حق السيادة عليها. في المقابل، تقول إيران إن سيادتها على الجزر تستند إلى حقوق تاريخية، وإن الجزر جزء من أراضيها الوطنية. وهذا التباين في أصل الملكية هو جوهر النزاع حتى اليوم.
ماذا تقول الإمارات؟ الموقف الإماراتي الرسمي ثابت في صيغته الأساسية: أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى "أراضٍ إماراتية، وإيران تحتلها منذ 30 نوفمبر/تشرين الثاني 1971". وتقول الصفحة الرسمية لسفارة الإمارات في واشنطن إن أبوظبي احتجت منذ اللحظة الأولى على ما تصفه بـ"الاحتلال غير القانوني"، ورفعت القضية إلى مجلس الأمن في 9 ديسمبر/كانون الأول 1971، ثم واصلت الدعوة إلى حلها عبر مفاوضات مباشرة جادة أو التحكيم أو إحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية. وتؤكد الوثيقة نفسها أن مجلس الأمن أرجأ التحرك حينها لإتاحة المجال أمام التفاوض.
وفي بيانات إماراتية أحدث، كررت أبوظبي الموقف نفسه تقريباً. ففي بيان مشترك نشرته وزارة الخارجية الإماراتية في 3 فبراير/شباط 2026، جرى التأكيد على ضرورة إنهاء ما سمّاه البيان "احتلال" الجزر الثلاث، وعلى دعم تسوية سلمية عبر المفاوضات الثنائية أو التحكيم أمام محكمة العدل الدولية، وفق القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
ماذا تقول إيران؟ إيران، من جهتها، لا تتحدث عن "نزاع" بالمعنى الذي تشير إليه الإمارات، بل عن "سيادة مكتملة على جزر إيرانية". ففي رسالة وجهتها البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة إلى مجلس الأمن عام 2024، قالت طهران إنها ترفض "الادعاءات الملفقة" بشأن أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، وتؤكد سيادتها على هذه "الجزر الإيرانية"، وأن كل القرارات والإجراءات المتخذة فيها تستند إلى مبدأ السيادة الوطنية.
وفي رسالة أخرى مرتبطة باعتراضها على إعلان عربي أُرفق بوثيقة أممية، كررت إيران أن الجزر الثلاث "أجزاء لا تنفصل" من أراضيها، واعتبرت التشكيك في ذلك انتهاكاً لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. كما شددت وزارة الخارجية الإيرانية في بيان رسمي آخر على أن أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى "تعود إلى إيران إلى الأبد" وأن طهران لا تعتبر سيادتها عليها قابلة للتفاوض.
أين تقف الأمم المتحدة؟ ولماذا تبقى القضية مفتوحة؟ الأمم المتحدة لم تحسم السيادة على الجزر، لكنها وفّرت منذ عقود منصة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من بي بي سي عربي
