الهند والخليج.. شراكة استراتيجية تتحدى اضطرابات المنطقة. لمزيد من الأخبار والتحليلات الاقتصادية تابعوا

وسط الاضطرابات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، تبرز العلاقات الاقتصادية بين الهند ودول الخليج كإحدى ركائز الاستقرار الأكثر رسوخاً، مدفوعة بتشابك غير مسبوق في المصالح التجارية والبشرية والمالية.

وبحسب خبراء تحدثوا لـ«إرم بزنس» فإن هذه الشراكة، التي تعد من الأسرع نمواً عالمياً، لم تعد مجرد تبادل اقتصادي تقليدي، بل تحولت إلى منظومة متكاملة تتقاطع فيها التجارة مع التحويلات المالية وتدفقات العمالة، بما يعزز قدرة الطرفين على امتصاص الصدمات الإقليمية.

وأكدوا أن هذه العلاقات تكتسب بعداً استراتيجياً أعمق، مع تصاعد دور الهند كلاعب اقتصادي وجيوسياسي يمتلك قنوات اتصال مع مختلف الأطراف بالمنطقة، بالتوازي مع تقدم مشاريع كبرى مثل ممر التجارة والتكنولوجيا الهندي الشرق أوسطي (IMEC).

انطلاق مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين مجلس التعاون الخليجي و الهند

علاقة تتجاوز التبادل التقليدي

ووفق موقع السفارة الهندية في السعودية فإن الروابط الاقتصادية بين الهند ودول مجلس التعاون الخليجي شهد نمواً مطرداً، ففي السنة المالية 2024-2025، بلغ حجم التبادل التجاري 178.56 مليار دولار، ما يمثل 15.42% من إجمالي التجارة العالمية للهند.

وتعدّ الإمارات أكبر شريك تجاري للهند في دول مجلس التعاون الخليجي تليها السعودية، كما تُشكّل منطقة مجلس التعاون الخليجي مصدراً هاماً للاستثمار الأجنبي المباشر، حيث بلغ حجم الاستثمارات فيها أكثر من 28.28 مليار دولار بحلول ديسمبر 2024.

كما تعتمد الهند بشكل كبير على دول الخليج لتأمين احتياجاتها من الطاقة، حيث تستورد النفط الخام الذي يمثل النسبة الأكبر من وارداتها، إلى جانب الغاز الطبيعي المسال خاصة من قطر، كما تحصل على بعض المنتجات البترولية والمواد البتروكيماوية اللازمة للصناعة.

وفي 5 فبراير، قال وزير التجارة الهندي بيوش جويال إن بلاده اتفقت مع مجلس التعاون الخليجي على شروط بدء محادثات اتفاقية التجارة الحرة بين الجانبين، بحسب ما نقلته بلومبرغ.

البيانات وفق وزارة التجارة والصناعة الهندية وتقارير DGCI&S وGTRI.

التجارة والبشر والثقة.. ثلاث ركائز تصنع الشراكة

ويقول ساهيتيا تشاتورفيدي الأمين العام لمجلس الأعمال والمهن الهندي بدبي (IBPC) في حديث لـ«إرم بزنس» إن المعطيات الحالية تشير إلى أن هذه العلاقة بين الهند ودول الخليج تجاوزت كونها مجرد شراكة اقتصادية، لتتحول إلى منظومة متكاملة ذات طابع استراتيجي. فمع تبادل تجاري يتجاوز 100 مليار دولار بين الهند والإمارات، ونحو 178 مليار دولار مع دول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب تحويلات مالية تبلغ 129 مليار دولار، باتت هذه الروابط تقوم على ثلاث ركائز أساسية: التجارة، والموارد البشرية، والثقة الاستراتيجية.

وبذلك، لم تعد العلاقة مجرد تبادل مصالح، بل أصبحت بنية استقرار متماسكة، تجعل من الشراكة الهندية الخليجية واحدة من أكثر العلاقات الدولية مرونة وقدرة على التكيف في مواجهة الأزمات، وفق تشاتورفيدي الذي أكد أن هذه الشراكة تبرز بشكل متزايد كقوة استقرار مهمة، مدفوعة بترابط عميق وتعاون مؤسسي ومصالح استراتيجية طويلة الأمد، في ظل حجم العلاقات الثنائية القائمة وحساسية الاضطرابات في غرب آسيا.

وقد أسهمت الاتفاقيات الأخيرة للتجارة الحرة والشراكات الشاملة في تعزيز هذا المسار، حيث يبلغ حجم التبادل التجاري بين الهند ومجلس التعاون الخليجي نحو 178 مليار دولار سنويًا، ما يمثل قرابة 15% من إجمالي تجارة الهند. كما يعيش نحو 10 ملايين هندي في دول الخليج، يتمتعون بمستويات معيشية مستقرة ومهارات تعليمية ومهنية، ويسهمون في إعالة شريحة واسعة من أسرهم في المناطق الريفية والحضرية داخل الهند، وفق تشاتورفيدي.

وأوضح أن هذا المستوى من التشابك الاقتصادي والبشري يجعل من هذه العلاقات بمثابة «ممتص صدمات» طبيعي في مواجهة الاضطرابات الجيوسياسية.

الهند الأولى عالمياً بالتحويلات.. والخليج مصدر 38% منها

ويشير إلى أن التحويلات المالية تعد عنصراً بالغ الأهمية في معادلة الاستقرار الاقتصادي، إذ استقبلت الهند نحو 129 مليار دولار من التحويلات في عام 2024، وهو الرقم الأعلى عالمياً، يأتي ما بين 30% و38% منها من دول مجلس التعاون الخليجي وحدها. وهذا يعني تدفق عشرات المليارات سنوياً من الخليج، بما يدعم ملايين الأسر، ويسهم بأكثر من 3% في الناتج المحلي الإجمالي للهند، ما يجعل هذه التحويلات ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي.

علاوة على ذلك، شكل إطلاق مبادرة تسوية المعاملات بالعملات المحلية بين الإمارات والهند تطوراً لافتاً، حيث فتحت آفاقاً جديدة لبناء منصات مالية متكاملة تقلل الاعتماد على الدولار، عبر تنسيق بين البنك المركزي الإماراتي ونظيره الهندي. ومن المتوقع أن يُحدث تطبيق هذا النموذج على نطاق أوسع داخل دول مجلس التعاون تحولا نوعيا في هيكل الاقتصاد الكلي.

واردات الهند من النفط السعودي تتجه إلى أعلى مستوياتها في 6 سنوات

من وسيط محايد لممر تجاري عالمي.. نفوذ متمدد

وعن الدور الجيوسياسي للهند في المنطقة، أوضح أن توازن علاقات الهند مع كل من دول الخليج وإيران يعزز مكانتها كقوة وسيطة محايدة، تمتلك نفوذاً اقتصادياً وقدرة على الوصول الدبلوماسي إلى أطراف متعددة، لافتا إلى أن الهند باتت شريكاً اقتصادياً محورياً، حيث تُصدّر ما يقارب 57 مليار دولار سنوياً إلى دول مجلس التعاون الخليجي، فيما تستورد أكثر من 120 مليار دولار من الطاقة، ما يرسّخ دورها كلاعب مؤثر في معادلات الاستقرار الإقليمي.

وحول ممر التجارة والتكنولوجيا الهندي-الشرق أوسطي، قال تشاتورفيدي إنه يستهدف ربط تدفقات تجارية تُقدّر بمئات المليارات من الدولارات سنوياً بين الهند والخليج وأوروبا، كما تبرز هذه التطورات الحاجة المتزايدة إلى تنويع سلاسل الإمداد وابتكار مسارات لوجستية بديلة، بما يحد من تأثير الأزمات الجيوسياسية على حركة التجارة العالمية.

ووفق تشاتورفيدي فإن الممر يتضمن بُعداً رقمياً متقدماً، يقوم على ربط الهند والخليج وأوروبا عبر بنية تحتية رقمية عابرة للقارات، تشمل شبكات البيانات عالية السرعة.

ورغم أن التوترات الجيوسياسية قد تُبطئ تنفيذ المكونات المادية للمشروع، مثل السكك الحديدية والموانئ، فإن الشق الرقمي يبدو أكثر مرونة وأسرع تقدماً. فمسارات البيانات لا تنتظر استقرار الحدود، بل تزداد أهميتها في أوقات الأزمات، حيث تتحول الأنظمة الرقمية إلى أولوية استراتيجية لضمان استمرارية الاتصال والتدفقات الاقتصادية.

وبالتالي، قد تؤدي الأزمة إلى تسريع تنفيذ البنية الرقمية للممر، حتى في حال تأخر تطوير البنية التحتية التقليدية، مع استمرار الاعتماد على الكابلات البحرية، والحوسبة السحابية، وتدفقات البيانات العابرة للحدود، التي تظل أقل تأثراً بالاضطرابات على الأرض، بحسب تشاتورفيدي.

الإمارات تسعى لبناء حاسوب فائق بقدرة 8 إكسافلوب في الهند

شراكة تتنامى.. الإمارات والسعودية في قلب التعاون الاستراتيجي

ويرى المحلل الإماراتي المختص بالعلاقات الدولية حميد المنصوري أن العلاقات الاقتصادية بين دول الخليج، خصوصاً الإمارات والسعودية، والهند تمثل نموذجاً للشراكة الاستراتيجية المتنامية، حيث يعتمد الطرفان على تبادل الطاقة والاستثمارات والتكنولوجيا بشكل متوازن وأن هذه الشراكات توفر فرصاً كبيرة للنمو الاقتصادي، وتعزز الاستقرار المالي والتجاري للطرفين، مع فتح آفاق جديدة للتعاون في مجالات مثل الطاقة المتجددة والصناعات التحويلية والخدمات اللوجستية.

كما أن التنسيق السياسي والدبلوماسي بين الهند والخليج يتيح فرصاً لتعميق التعاون الأمني والاستراتيجي، مع تقليل أي تأثيرات للتوترات الإقليمية على الاستثمارات المشتركة، وفق المنصوري، الذي أوضح أن علاقات الثقة المستمرة والاستثمارات المتبادلة تجعل من هذه الشراكات قاعدة قوية لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز مكانة الطرفين في الأسواق الدولية.

كما يأتي الممر التجاري الهندي الأوروبي ليكون حجر الزاوية في هذا التعاون، حيث يربط الهند بدول الخليج وأوروبا عبر شبكة لوجستية متقدمة، ويتيح تسهيل حركة البضائع والخدمات بشكل أسرع وأكثر فعالية كونه يعزز النفوذ الهندي الخليجي في التجارة الدولية، ويدعم رؤية مشتركة لتحقيق نمو اقتصادي متوازن، مع فتح آفاق للتعاون المستقبلي في مجالات النقل واللوجستيات والصناعات المتقدمة، وفق المنصوري.

تحديات تترصد الشراكة.. الصين وباكستان والسياسات الداخلية

فيما اعتبر المحلل الإماراتي أن الأمر لا يخلو من تحديات، تتمثل في تأثير التوازنات الجيوسياسية بين الهند وباكستان ونمو الصين على المستوى الإقليمي والدولي، إلى جانب التحولات الاقتصادية والسياسات الداخلية في الهند التي تؤثر على الاستثمارات والتجارة.

هذه العوامل قد تؤثر على استقرار أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والثقة بين الشركاء، ما يجعل متابعة المتغيرات وتحليلها بدقة أمراً حيوياً لضمان استمرار واستدامة الشراكات الاقتصادية بين دول الخليج والهند.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 4 ساعات
منذ ساعة
منذ 45 دقيقة
منذ 28 دقيقة
منذ ساعتين
منذ 6 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 7 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 18 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 3 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعتين
قناة CNBC عربية منذ 33 دقيقة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 3 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 6 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 11 ساعة