تأكل الرأي العام
يفترض بالرأي العام أن يكون ساحة رحبة، ميدانًا مفتوحًا يتسع للنقاش المشترك بحرية، حيث تتصادم الأفكار وتتفاعل لتنتج في النهاية توافقًا أو تفاهمًا عامًا. لكن هذا الميدان لم يعد موجودًا في ظل الثورة الرقمية. لقد تحطم. وبقوة الخوارزميات، أخذ هذا الفضاء يتفتت إلى جزر متباعدة وصغيرة ومنعزلة، كل منها تحتضن الآراء المتشابهة فقط.
هذا هو جوهر المأساة الجديدة: لم يعد الرأي العام فضاءً واحدًا. بل تحول إلى أرخبيل من الغرف المغلقة، كل جماعة تسمع فيها صدى صوتها فقط. كل فرد يعيش داخل فقاعة معلوماتية لا تختبر قناعاته أو تعرضها للنقد، بل تعمل كمرآة تعيد إليه صورته وتؤكد له صحة ما يعتقد. الخوارزميات، المصممة لتعزيز التفاعل، لا تدفعنا نحو الحوار مع المختلف، بل تحبسنا في زنزانة المألوف، حيث لا وجود للأسئلة المزعجة أو للأفكار المضادة.
في هذا العالم الجديد، يحدث أمر شديد المفارقة: لا يختفي الكلام. بل على العكس، نحن نعيش في عصر الثرثرة الكونية بامتياز. ما يختفي هو شيء أثمن وأندر: الإنصات. فالإنصات يتطلب فضيلة نادرة في عصر الفقاعات، وهي فضيلة الشك في الذات، والتسامح مع الغموض، والرغبة الحقيقية في فهم الآخر. لكن في الفضاءات المتفتتة، يصبح الآخر مجرد عدو أو منافس، وليس شريكًا في البحث عن الحقيقة.
إننا نعيش لحظة فارقة حيث لم يعد التحدي هو كيف نتكلم ، بل كيف نصغي . تآكل الرأي العام يعني أننا فقدنا الأرضية المشتركة التي كنا نقف عليها جميعًا، حتى لو كنا نتخاصم. لقد أصبح كل منا على جزيرته، نصرخ في وجه المحيط، ولا نسمع سوى صدى أصواتنا.
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو سؤال وجودي للديمقراطية نفسها: هل يمكن للمجتمعات أن تظل حرة إذا فقدت قدرتها على الحوار؟ وهل يمكن للسياسة أن تصنع مستقبلًا مشتركًا، في غياب رأي عام حقيقي، حيث يلتقي العقلاء؟
عودة الإنسان القطيع
علم النفس الاجتماعي يخبرنا أن الإنسان في الأوقات العادية قادر على التفكير النقدي، لكنه في أوقات الذعر الرقمي أو الحماس الجماعي يفقد هذه القدرة تمامًا. هنا تعمل.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من عين ليبيا
