لم تدخل داليا مبارك موقع تصوير غلاف بيلبورد عربية لشهر مارس كنجمة غلاف فحسب، بل وصلت كامرأة تحمل يومها كله معها. برفقة ابنتيها، ليلي وجاز، بدا المشهد امتدادًا طبيعيًا لحياتها كما تعيشها فعلًا: بين الأمومة، العمل، والإبداع، كل شيء كان حاضرًا دفعة واحدة.
داليا امرأة تبدو مألوفة بسرعة. ولوهلة، يشعر من يتعامل معها أنه أمام شخص لا يعرف التكلف. لكن سرعان ما تتضح الصورة الأكبر، لنجد أنفسنا أمام امرأة تهندس حياتها على طريقتها، وصوت لا يبدو مترددًا في ما يختاره.
بين تبديل الإطلالات، ومتابعة التصوير، والالتفات إلى طفلتيها باستمرار، كانت داليا تحاول أن تمنح كل من حولها شيئًا من وقتها ودفئها، حتى في أكثر لحظاتها ازدحامًا، لا تبخل بابتسامة.
أمام هذا المشهد، بدأت عناوين الغلاف تتزاحم في رأسي تلقائيًا. لكن الصورة كانت مكثفة للغاية؛ هناك أولًا داليا الأم، ثم المرأة، ثم الفنانة التي رسخت حضورها كأحد أبرز الأصوات السعودية في مساحتها الخاصة. وفوق هذا كله، مبدعة تواصل رحلتها في وجه مرحلة استثنائية يعيشها الوطن العربي.
ولهذا تحديدًا، بدا حضورها على غلاف مارس في مكانه تمامًا.
ففي الشهر الذي يلتقي فيه يوم المرأة بعيد الأم، اكتسب هذا الاختيار معنى إضافيًا، لا سيما أنه يأتي في مرحلة مهنية لافتة بالنسبة لها: ألبوم جديد يقترب، وظهور منتظر على مقعد تحكيم لجنة النسخة العربية من "ذا فويس كيدز"، في وقت تبدو فيه داليا أقرب إلى نفسها من أي وقت مضى.. وقد خلصت أخيرًا لمغزى ورسالة من الفن الذي ققرت أن تمتهنه: "ساعات أنت تحسين أن في شي تبين توصلي للناس. واللي أنت قاعد تعملينه لازم يكون له معنى أكبر من مشاهداتك وأكبر من الأرقام. فهمتيني؟ يكون شي يأثر على الناس معنوياً روحياً. هذا طموحي إن ألمس الناس، إني أحكي قصصهم".
منذ عام 2014، بنت داليا مبارك مسارًا يتقدم بهدوء. تجرب، تنتج، تغامر بين اللهجات، وتتعامل مع الإنتاج والبصريات بوصفهما امتدادًا للصوت لا مجرد إطار له.
بدأت قصة داليا مع الغناء في عمر صغير، متأثرة بوالدتها صاحبة الصوت الجميل أيضًا، (تجادل داليا أنه أجمل من صوتها أحيانًا)، وبين محاولات موسيقية متنوعة، من الغناء أمام لجان تحكيم في برامج المواهب، إلى وصولها إلى كرسي التحكيم في مراحل متقدمة من مسيرتها، كانت بداياتها الفعلية في أوائل العشرينات من عمرها. ومنذ ذلك الحين، كان واضحًا أنها تسعى لدفع الأغنية السعودية إلى منطقة أكثر جرأة، سواء في اختيار النصوص، أو في طريقتها في تطويع القصيدة الخليجية والغزل النسائي داخل شكل موسيقي معاصر.
وسعت داليا حدود أغنيتها، فاستقت من إيقاعات وألحان متنوعة، بحيث بدت كل تجربة جديدة وكأنها اختبار مختلف للصوت واللغة والأداء. من "مرا عن مليون"، التي تحمل روح البوب الراقص المعاصر، إلى "ياريتني رجال" بإيقاعها الخليجي والزي التراثي الأصيل، وصولًا إلى "أرجع لأن" في مغامرتها الأحدث باللهجة العراقية، يتأكد أن داليا لا تميل إلى الثبات في لون واحد.
فالملل، كما تقول، هو عدوها الأول من الطفولة، ولا يبدو أنه سيجد له مكانًا في مسيرتها في أي وقت قريب!
أول فنانة سعودية شابة تجلس على كرسي التحكيم في "ذا فويس كيدز"، كما برز اسمها مبكرًا في عناوين Billboard العالمية بعد انضمامها إلى Warner Music، في واحدة من أوائل الخطوات من هذا النوع لفنانة سعودية على هذا المستوى. حين ذكّرتها بذلك، ظهر على وجهها شيء من الدهشة الصادقة، كأنها تسمع هذه الحقائق عن نفسها للمرة الأولى. قالت لي خلف الكاميرا، بنبرة بدت أقرب إلى التساؤل منها إلى الفخر: "لم أكن أنتبه لهذا من قبل هل كان علي؟ ربما."
وبالقدر نفسه من الصدق الذي دار به الكلام خلف الكاميرا، مضى الحوار أمامها أيضًا.كان واضحًا منذ البداية أن داليا لا تترك مساحة كبيرة للحوارات "المرتبة". وفي كل مرة كان الحديث يقترب من تلك المنطقة المصقولة التي تميل إليها الحوارات الفنية عادةً، كانت تعيده هي، بعفوية شبه غريزية، إلى مكان أكثر صدقًا وأقل تكلفًا.
أيا كانت الزاوية، كان الصدق محورها، خاصة أن الحديث مع داليا لا يمكن أن ينحصر في حدود "المشروع الفني" لأن الشخصية، هنا، تفرض نفسها بذات القدر. لذا كان لا بد من قراءة متأنية لأعمالها والروابط بينها وحياتها الشخصية. ومن هنا ظهرت الفكرة: ماذا لو قرأنا داليا من خلال أعمالها؟
من "قمة طموحي" إلى "يا حاسدي"، ومن "أنت كوني" إلى "طمني عليك"، بدت هذه العناوين كأنها شذرات من سيرة ذاتية، كل منها يفتح بابًا صغيرًا على طبقة مختلفة من شخصيتها: الطموح، التحدي، الحساسية، الغضب، الخيبة، والرغبة المستمرة في استعادة التوازن، وإمساك زمام حياتها بنفسها.
ومع تقدم الحوار، بدأت هذه الطبقات تتكشف بوضوح أكبر. المرأة التي حضرت بعفوية وطاقة مشرقة، حملت في حديثها أيضًا أثر جروح قديمة ومراحل لم تكن سهلة أبدًا: تجربتا زواج، خيبات، اصطدامات مع الوسط الفني، ولحظات بدا فيها التراجع أقرب من الاستمرار.
وفي مقابل هذه المطبات كلها، عاشت داليا أيضًا مسيرة حافلة بالنجاحات، كان أحدث فصولها انضمامها إلى "ذا فويس كيدز"؛ التجربة التي وصفتها خلال حديثنا بأنها "إشارة إلهية" للاستمرار، بعدما كانت قد اقتربت فعلًا من اتخاذ قرار الاعتزال.
والمفارقة أن النجمة التي تربطها بالأمومة علاقة شديدة الخصوصية، وتحدثت في مقابلتنا بصراحة عن رفضها لفكرة تكرار التجربة، لما تحمله من حب مفرط، ورعاية مستنزفة، وقلق دائم من كل ما قد يواجه أبناءها، وجدت بارقة أملها والسبب الذي أعادها إلى نفسها عبر الأطفال أيضًا. فخلال اللقاء، استحضرت داليا لحظة خاصة عاشتها مع أحد المتسابقين الصغار في البرنامج، لحظة واحدة بدت كافية لتعيدها إلى أرضها الصلبة، أو ربما إلى بداياتها الأولى، حين كان الحلم أكثر صفاءً وأقل إنهاكًا.
قالت، وهي تجاهد لحبس دمعتها: "كنت فاقدة الشغف، الطاقة يلي أخدتها من الأطفال، ذكروني بحلمي وأنا ليش هنا وليش على هذا الكرسي". وتابعت: "لما قعدت بذا فويس وشفت الأطفال، كان إنقاذ، لانو انا آخذ طاقتهم، وقلت لنفسي داليا أنتي هنا عشان بيوم من الأيام كنتي هناك".
ومع تلك الشرارة، ودعت داليا فكرة الاعتزال، لتقترب نحو مرحلة جديدة تبدو فيها أكثر نشاطًا من أي وقت، مع قرب صدور ألبومها المنتظر، الذي يحمل تنوعًا أوسع في اللهجات والاتجاهات الموسيقية، من بينها حضور اللهجة العراقية، إلى جانب المصرية التي أتقنتها على مدار السنوات، وفتحت لها بابًا واسعًا نحو جمهور عربي أكبر.
وهنا، بدا السؤال الأهم: هل نحن أمام داليا أكثر تحررًا من أي وقت مضى؟
أيًا كان الانطباع الذي قد تتركه داليا في ذهن محاورها أو متابعيها، وعلى الأرجح أنهم سيجدون أنفسهم أمام لقاء تبدو داليا فيه أكثر جرأة من أي وقت، إلا أن داليا نفسها، لم تختصر نفسها باعتبارها فنانة فقط، ولا أمًا، ولا حتى امرأة تحمل "قصة ملهمة" بالمعنى المستهلك للكلمة. ما بقي منها بعد المقابلة كان شيئًا أكثر ندرة: امرأة استعادت مركز حياتها، وتوقفت، أخيرًا، عن محاولة أن تكون ما يتوقعه الآخرون منها، وبدأت، ببساطة، في أن تكون نفسها.
وربما لهذا السبب تحديدًا، بدا هذا الغلاف في مكانه تمامًا.
Dalia Mubarak_Cover-Main-2408x3508
هذا المحتوى مقدم من بيلبورد عربية
