بينما كنتُ أتصفّح فهارس مجلّة «مدوّنات الجمعيّة الجغرافيّة»، استوقفني مقال عن مغاصات اللّؤلؤ في بلاد الخليج، وطُرق صيدِه في القرن التّاسع عشر الميلادي، كَتبه المُقيّمُ السياسيُّ البريطانيّ في الخليج العربيّ لويس بيلي (بين عامَيْ 1862 - 1873). وقبل أنْ أتوغّل في دراسة مضمون هذا المقال، أجد من الأهميّة أنْ ألقي نظرةً سريعة على سيرة هذا الرجل ومآثره في الآتي.
كان لويس بيلي أحدَ أعلام السياسة والدبلوماسيّة البريطانيّة في القرن التّاسع عشر، التحقَ بالخدمة في صفوف الجيش الهندي، حيث تشرَّب فنونَ الحرب والإدارة، ثمّ انخرطَ في السلك السياسي، فكانت له اليد الطولى في شؤون الهند والخليج. عُيِّن بيلي مقيّمًا سياسيًّا في بلاد الخليج، فنهض بأعباء المنصب، وساسَ الأمورَ بدهاء ورويّة، وكان شديد العناية بمصالح بلاده، لا يغفل عن رصد أحوال الخليج وأُمرائه وقبائله.
نَشر بيلي مقالاتٍ عدّة عن رحلاته إلى بلاد فارس وسواحلها وأفغانستان وبلاد الخليج وسواحلها الشرقيّة والغربيّة، وما عاينه فيها من الأحوال السياسيّة والاجتماعيّة، وما اكتشفه من أوضاعٍ طبيعيّة وجغرافيّة، وذلك في جملة من المجلّات التاريخيّة والجغرافيّة.
قَرأ بيلي مقاله عن أحوال الغوْص في الخليج، أوّلاً في أحد المجالس العلميّة التي انعقدَت في الجمعيّة الجغرافيّة في السادس عشر من فبراير من العام 1866، ثُمّ نَشَرَهُ في مدوَّنات تلك الجمعيّة نفسها في العدد الثامن عشر من عامَيْ 1865 - 1867. ولعلّه من المناسب أنْ نبيّنَ في الآتي جملة من الموضوعات الواردة في مقاله ذلك.
في مغاصات اللّؤلؤ وبيان أحوالها وملكيّتها
يتبيّن من مقالات بيلي أنَّ طائفةً من العُلماء والمؤرّخين والجغرافيّين الكبار في لندن لم يكُن لديهم معرفة دقيقة بشأن مغاصات اللّؤلؤ في بلاد الخليج، ولا في كيفيّة نموِّها وظهورها وطُرق استخراجها. ولمّا سافرَ بيلي إلى لندن خلال إحدى إجازاته، أبدى له عددٌ من السادة من ذوي العِلم اهتمامهم بمعرفة أحوال محاور اللّؤلؤ وأصناف الأصداف البحريّة في بلاد الخليج، فاستوقفه الأمر، إذْ بدا له أنَّ القوم يجهلون الكثير عن هذا الشأن.
ولقد استجابَ بيلي لتلك التساؤلات، وسعى سعيًا حثيثًا إلى جمْعِ ما استطاع من أصداف هذه البلاد باذلًا في ذلك جهده وطاقته، غير أنّه في هذا المقال اقتصر على ذِكر ملاحظاتٍ مُختصَرة حول مغاصات اللّؤلؤ وماهيّة الغوْص على اللّؤلؤ وأخبار مجملة عن مشاركات أهالي هذه البلاد في تلك التجارة الثريّة آنذاك. ولا ريبَ أنّه كَتَبَ كلَّ تلك المعلومات الدقيقة بالارتحال بنفسه إلى أماكن الغوْص، ومُعاينة أعمال الغوْص على اللّؤلؤ.
في ما يتّصل بجغرافيّة مغاصات اللّؤلؤ وامتدادها في هذه الديار، أفاد أنّها تَنتشر متفرّقةً على طول الساحل العربي، ممتدّةً من جنوبي ميناء الكويت في أقصى الشمال حتّى مشارف إمارة رأس الخيمة في الجنوب، فتلك هي المغاصات التي عُرفت بغزارتها ووفرة محصولها وعلوِّ قيمتها في سوق التجارة. وأمّا المغاصات الكائنة بالقرب من جزيرة خرج وسواحل الفُرس، فهي ضئيلة الشأن، إذْ لا تقارب في امتدادها ولا في مردودها ولا في منزلتها التجاريّة نظائرها على الساحل العربي، فتفوَّقت عليها شهرةً وعطاءً، وغدَت مقصدًا لأهل الغوص ومبتغىً لتجّار اللّؤلؤ.
وعن مِلكيّة هذه المصائد أو السيطرة عليها، ذَكَرَ بيلي أنّها تُعَدّ مشاعاً بين قبائل العرب النازلين على سواحل الخليج، بحيث لا يُحظَّر على أحدٍ منهم أنْ يَغوصَ حيث شاءَ من مياه الساحل العربي، ولو كان ذلك في غَير بلاده، فمثلًا، يسوغ لرجلٍ من أهل الكويت أنْ يغوصَ في السواحل القريبة من بلاد البحرين أو رأس الخيمة، كما يسوغ لأهل البحرين وقطر أو رأس الخيمة أنْ يغوصوا في المياه القريبة من الكويت، إذْ لا يُفرض على أهل الساحل بعضهم على بعض أيّ حظرٍ أو قيْد. مُقارَنةٌ بين مغاصات اللّؤلؤ في بلاد الخليج وغيرها
عند مُوازَنة مغاصات اللّؤلؤ المنتشرة في بلاد الخليج بسواها في الهند وسيلان وغيرها، وما يختصُّ به كلٌّ منها من جودة وعطاء، وما يُعين على ظهور أجود أنواع اللّؤلؤ وأغلاها، أَورد بيلي أنَّ أنْفَسَ المغاصات وأغْزَرها عطيّة هي تلك التي تُحيط ببلاد البحرين، ولاسيّما ما كان منها ممتدًّا حول جُزرها، حيث تتفاوَت أعماقُ هذه المواضِع تفاوُتًا كبيرًا، فمنها ما يكون قريبًا من مستوى الماء وقت المدِّ، ومنها ما يَنخفض إلى ثلاث، أو سبع، أو اثنتي عشرة، أو سبع عشرة، بل إلى ثماني عشرة قامة، ويُظَنّ أنَّ هناك مغاصاتٍ أبعد غورا من ذلك، إذ يذهب بعض أهل الخبرة إلى أنَّ مصائد المحار تتوارى في خلجان شبه جزيرة مسندم، حيث يُقدَّر أنَّ عُمقَها يتراوح بين اثنتَيْن وعشرين وخمس وعشرين قامة، إنْ صحَّت الروايات التي تتحدَّث عنها.
ويرى البحّارة وأهل الدراية بشؤون الغوْص أنَّ صفاء اللّؤلؤة وبريقَها مرتبطان بعُمق الماء، فكلّما ازداد غوْر المحار، ازداد لمعانُ الجوهرة وصفاؤها؛ غير أنَّ كمال استدارة اللّؤلؤة لا تَحكمه قاعدةٌ مضبوطة، إذ لم يُهتدَ إلى ضابطٍ لهذا الأمر. وأجوَدُ المغاصات وأكرمُها عطاءً ما كان قاعُهُ مستويًا، مكسوّاً برمالٍ بيضاء ناعمة مستقرّة فوق طبقةٍ من الشعاب المرجانيّة، في مياهٍ صافية نقيّة. أمّا إذا اختلطَ الرملُ بالطين أو بغيره من الموادّ الأرضيّة، فذلك يُفسد اللّؤلؤ ويَمحو بريقَه، فضلًا عن تعجيله بنضوب المحار. وقد نَسَبَ عربُ بلاد البحرين نضوبَ مغاصات سواحل السند وسيلان إلى هذا السبب.
أمّا مغاصاتُ بلاد الخليج، فعلى كثرة ما اجتُني منها منذ قديم الدهر، فقد ظلَّت على غزارتها إلى يوم الناس هذا،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
