إحياء ظاهرة «السوق المعكوس».. تهديدات ترامب تقلب ميزان النفط

لم يعد النفط يتحرك وفق معادلات العرض والطلب فقط، بل بات يسعّر الحرب لحظة بلحظة. ومع تهديدات دونالد ترامب الأخيرة لإيران، دخلت الأسعار مرحلة جديدة، كشفت عودة ظاهرة «السوق المعكوس» بشكل حاد، في إشارة إلى أن الأسواق ترى الخطر أقرب مما يبدو.

وهزّت أحدث تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي أطلقها بشأن إيران، أسواق الطاقة، وأشعلت موجة من الارتفاعات غير المسبوقة في سعر النفط الخام الأميركي، مع تزايد مخاوف المتداولين من حدوث اضطرابات أعمق في الإمدادات العالمية.

سجّلت العقود الآجلة للنفط الخام الأميركي للتسليم الفوري الشهر المقبل أعلى علاوة لها على الإطلاق مقارنة بعقد الشهر التالي، مع مسارعة المتعاملين للحصول على الخام بعد أن تعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمواصلة الهجوم على إيران.

قدّم ترامب رسائل متضاربة بشأن مستقبل الصراع في الشرق الأوسط. ففي خطابه للأمة، قال إن العملية العسكرية الأميركية في إيران على وشك الانتهاء، بينما أكد في الوقت نفسه أن الخطة هي إنهاء المهمة وتوجيه ضربة شديدة لإيران لإعادتها إلى العصور البدائية.

ترامب يخيّب الأسواق.. الأسهم العالمية تخسر رهانها على التهدئة

ارتفاع قياسي

في ترجمة مباشرة لهذه المخاوف، انعكست التوترات سريعاً على حركة الأسعار، وارتفعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط تسليم مايو بما يصل إلى 16.70 دولار للبرميل عن عقد شهر يونيو خلال جلسة التداول.

بلغ سعر العقد أعلى مستوى له خلال الجلسة عند 113.97 دولار للبرميل، قبل أن يسجّل 111.42 دولار عند تسوية يوم أمس الخميس.

في أحدث التداولات يوم الخميس، ارتفع سعر عقود خام غرب تكساس الأميركي تسليم مايو بنحو 1.5% إلى مستويات فوق 113 دولاراً للبرميل.

يتداول الخام اليوم دون تسوية، لعطلة الأسواق في الولايات المتحدة بمناسبة «جمعة الآلام».

مكاسب أسبوعية

ارتفع سعر خام برنت لشهر يونيو بنسبة 7.8% ليستقر عند 109.03 دولار للبرميل، منهيًا أسبوع التداول المختصر بسبب العطلة بمكاسب بلغت 3.5%.

كما ارتفع سعر خام غرب تكساس الوسيط الأميركي القياسي للتسليم في مايو بنسبة 11.4% ليستقر عند 111.54 دولار للبرميل، متجاوزاً سعر برنت لأول مرة منذ 18 مايو 2022، وسجّل ارتفاعاً أسبوعياً بنسبة 11.9%.

قال ريتشي: «سعر خام غرب تكساس الوسيط المعروض على الشاشة يحمل في طياته علاوة جيوسياسية أكثر إلحاحاً وفورية مقارنة بعقد برنت العالمي لشهر يونيو، ويتضمن عقد برنت لشهر يونيو ما يقرب من 30 يوماً إضافياً من "فرصة وقف إطلاق النار».

100 مليار دولار تتبخر في دقائق.. هل يقذف ترامب «بيتكوين» صوب الهاوية؟

«الباكورديشن» أو التراجع

لكن التحول الأبرز لم يكن في مستوى الأسعار فقط، بل في هيكلها الزمني، ويسلّط ذلك الضوء على ديناميكية في العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط تُعرف بـ«الباكورديشن» (Backwardation)، أو التراجع، وهي ظاهرة السوق المعكوس، حيث تكون أسعار النفط الحالية أعلى من أسعار النفط للتسليم في وقت لاحق.

قال ريتشي: «من الواضح أن أسعار العقود للتسليم في الأشهر المقبلة تتقلص بسرعة إلى منطقة هدف القيمة العادلة المتفق عليها، والتي تبلغ نحو 67 دولاراً للبرميل، عند النظر إلى منحنى المدة حتى النصف الأول من عام 2027».

وأضاف: «يدل ذلك على أن الحرب والإغلاق اللاحق لمضيق هرمز يُنظر إليهما على أنهما سيتم حلهما عاجلاً وليس آجلاً، مع توقع عودة تدفقات السوق المادية والخدمات اللوجستية للنفط المنقول بحراً إلى مستويات ما قبل الحرب بحلول أواخر عام 2026 إلى أوائل عام 2027».

الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال إلقائه خطاباً حول الصراع في الشرق الأوسط من قاعة كروس بالبيت الأبيض، واشنطن العاصمة، يوم 1 أبريل 2026.

أزمة أميركية خالصة

بعيداً عن الجيوسياسة، تكشف البيانات عن خلل هيكلي أعمق داخل السوق الأميركية، قال ريتشي: «نظام تكرير النفط الأميركي القديم كان موجهاً نحو تكرير النفط الخام الثقيل المستورد من الشرق الأوسط منذ منتصف التسعينيات، وليس النفط الخام الخفيف والحلو المستخرج من باطن الأرض الأميركية».

وأضاف ريتشي في مذكرة للعملاء: «ببساطة، نحن نستورد النوع الخاطئ من النفط الخام لنظامنا الخاص، ونعتمد على المشترين الأجانب أو صفقات المقايضة لجعل الأمور تسير في عالم الطاقة».

وقال رئيس التحليلات الفنية في «سيفنز»، تايلر ريتشي: «إنتاج النفط الخام الأميركي يبلغ حالياً نحو 13.6 مليون برميل يومياً، وهو أقل بثلاثة ملايين برميل كاملة من كمية النفط التي تعالجها مصافي البلاد يومياً».

وأضاف: «الحسابات غير منطقية، وإضافة 6.5 مليون برميل من النفط المستورد من كندا يومياً تشكّل حجة أفضل للاستقلال النفطي المحلي».

الدولار ينتفض.. خطاب ترامب يعيد الأسواق إلى نقطة الصفر

انخفاض الإنتاج

وعلى الجانب الآخر، لا تبدو عودة الإمدادات إلى طبيعتها مسألة وقت قصير، وقالت محللة الطاقة لدى «سي إس سي كوموديتيز»، التابعة لشركة «ماركس»، ساشا فوس: «حتى لو انتهت الحرب، لا يمكن استئناف إنتاج النفط بسرعة والعودة إلى وضعه الطبيعي بسبب الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية».

وأدّت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، التي تقترب من نهاية أسبوعها الخامس، إلى إزالة ملايين البراميل يومياً من النفط من السوق العالمية، مما دفع أسعار الطاقة إلى أعلى مستوياتها في سنوات عدة، وتسبب في نقص الوقود في البلدان التي تعتمد على تدفق النفط والغاز عبر مضيق هرمز.

ويمر نحو 20% من النفط العالمي عبر هذا الممر الحيوي، وتعهد ترامب، في خطابه مساء الأربعاء، بضرب إيران بقوة شديدة خلال الأسبوعين إلى الثلاثة أسابيع المقبلة، لكنه لم يضع خطة لفتح مضيق هرمز.

قالت فوس في مذكرة للعملاء: «هناك أيضاً ارتفاع في علاوة المخاطر الجيوسياسية، نتيجة مخاوف الجميع من سيطرة إيران على المضيق لفترة أطول، وقد أثبتت قدرتها على ذلك».

وأضافت: «لا يمكننا العودة إلى الوضع الطبيعي الآن بعد أن سيطرت إيران على المضيق، فالأمر ليس كتشغيل وإطفاء مفتاح الإضاءة».

بعد خطاب ترامب.. الذهب أمام سلاح بحدين

تناقض يصنع التقلبات

كتب مدير الاستثمار لدى «إيه جيه بيل»، روس مولد، في مذكرة: «من المعروف أن عدم اليقين هو نقطة ضعف الأسواق، وبين الرسائل المتناقضة من ترامب، والمزاعم المتنازع عليها من كلا الجانبين، وعدم وضوح الخطة التي يمكن أن تقدم حلاً للصراع، تدخل الأسواق في دوامة من الاحتمالات وتتزايد التقلبات».

وقال كبير الاقتصاديين العالميين لدى «أكسفورد إيكونوميكس»، ريان سويت: «إشارة ترامب إلى أن الولايات المتحدة ستكثف الهجمات خلال الأسابيع القليلة المقبلة من شأنها أن تزيد من الأضرار التي تلحق بالبنية التحتية للطاقة».

وأضاف سويت في مذكرة للعملاء: «هذا قد يؤدي، بالتزامن مع تباطؤ إعادة فتح مضيق هرمز وانخفاض الإمدادات، إلى ارتفاع أسعار النفط أكثر بحلول نهاية العام، حيث يحتفظ فريق سويت بهدف 113 دولاراً لسعر خام برنت للربع الثاني».

خلال وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى قاعة كروس بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة لإلقاء خطاب حول الصراع في الشرق الأوسط، 1 أبريل 2026.

أزمة شركات الحفر

ورغم هذا الارتفاع الحاد، فإن قرارات المنتجين لا تُبنى على الأسعار الحالية فقط، وبينما شهدت أسعار النفط للتسليم الفوري ارتفاعاً حاداً، زادت أيضاً أسعار النفط للتسليم خلال ستة أشهر وسنة، وإن كان ذلك بوتيرة أقل حدة. ومع ذلك، فإن ارتفاع الأسعار يزيد من احتمال إعادة تشغيل المنتجين منصات الحفر.

ويُتداول النفط للتسليم في أكتوبر، وهو مؤشر رئيسي للشركات التي تقرر زيادة عمليات الحفر، عند نحو 73.64 دولار، أي بزيادة 13% عن سعره قبل بدء الحرب في أواخر فبراير.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة «باترسون-يو.تي.آي»، آندي هندريكس، إحدى أكبر شركات الحفر البرية في الولايات المتحدة: «من المرجح أن نرى بعض شركات النفط الأميركية تبدأ في حفر واستكمال المزيد من الآبار في وقت لاحق من هذا العام».

وأضاف: «ما يحدث اليوم في أسعار النفط ليس هو المحرك الحقيقي للسوق الأميركية، بل يجب أن نعرف سعر النفط خلال ستة إلى تسعة أشهر».

ولا تعكس أسعار النفط الحالية مجرد صدمة جيوسياسية عابرة، بل تكشف عن إعادة تسعير شاملة للمخاطر الفورية مقابل المستقبل، وبينما تراهن الأسواق على انحسار التوترات على المدى المتوسط، فإن هيكل الأسعار الحالي يبعث برسالة واضحة: الخطر لم ينته بعد، بل تم تقديمه إلى الحاضر.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 11 ساعة
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ 57 دقيقة
منذ 3 دقائق
منذ ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 9 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 5 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 16 ساعة
قناة CNBC عربية منذ ساعة
قناة CNBC عربية منذ 5 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعتين
قناة CNBC عربية منذ 23 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 16 ساعة