كتب سعيد باجا، الفنان المغربي الشاب المعروف، مقالة بعنوان "توبة فنان"، نشرت له في فاتح أبريل 2026. وقد جاءت المقالة ردا على الشائعات التي روجت بخر توبة فنان، تبين أنها مجرد شائعات كاذبة...
أولا، فأنا، الكهل، أتوجه بهذه الكلمات إلى الشاب سعيد باجا، ومن خلاله إلى جميع حملة "مشعل الفن"، لا بوصفي متخصصا في هذا المجال، وإنما بوصفي أحد المستهدفين به في شخصي وفي أهلي: مواطنٌ مغربي كان عُرْضَةً لذلك الفن منذ صباه... وإنه للحقيقة، فإن قسطا عظيما من تمثلات جيلي للمجتمع والحياة، ومن سلوكاته كذلك، إنما شكلتها أداءات فنانين مغاربة وأجانب.
أستسمحكم أيها الفنانون بأن أعرض عليكم وجهة نظر واحدٍ من ملايين الجماهير الذين تستهدفهم إنتاجاتكم الفنية، لأنه إلى جانب دعوتكم لـ"ترسيخ وعي جديد يعيد للفنان مكانته كفاعل ثقافي يعكس غنى المجتمع وتعدديته"، فإن هذا يستدعي كذلك بالمقابل دعوة الفنان نفسه لكي "يراجع وعيه القائم حاليا بموضوع الرسالة التي نذر نفسه لأجل أدائها في مجتمعه من خلال ذلك الفن"، وأن "يراجع فعله في المجتمع المغربي لعقود خلت، هل كان فعلا بنّاءً أم فعلا هدّاماً"؟..
و حتى لا نكون عدميين، فهي "دعوة للمراجعة عموما، لرصد ما يستوجب الإبقاء والتطوير، وما يستوجب التصحيح والتصويب، وما يستوجب الحذف دون أدنى تردد..".
(1) ـ أفواج الفنانين التائبين...:
تساءل سعيد باجا في بداية مقالته: "هل الفن خطيئة حتى يتوب منه؟ وهل الاعتزال، إن حصل، يُفهم بالضرورة بوصفه رجوعا عن ذنب؟".
هذا التساؤل الاستنكاري، تجيبنا عنه الحالات المتعددة للفنانين الذين اعتزلوا الفن، وشهادات بعضهم التي تكشف عن واقع "بيئة عمل مشبوهة" و"رسائل متضمنة مشبوهة"، وضعت هؤلاء في مواجهة معتقدات مجتمعهم وأخلاقه وأعرافه. وهي شهادات تكاد تتطابق في المشرق والمغرب، ابتداء من فناني مصر..، ووصولا إلى فناني المغرب.
و حيث إن أسباب الاعتزال قد تختلف من فنان إلى آخر، فإن الوازع الديني، واعتبار الفن بالصورة التي هو عليها اليوم "شُبهة" تستوجب من المرء التحوط لدينه، كان حاضرًا عند الكثير منهم:
ــ ففي مصر، نجد على سبيل المثال: ياسمين الخيام، وحنان ترك، ومحسن محيي الدين، وحسين صدقي، وهالة فؤاد، ومديحة كامل، وحلا شيحة، ودوللي شاهين..؛
ــ وفي المغرب، نجد على سبيل المثال: عبد الهادي بلخياط، ومحمد رزقي، والمختار جدوان، وهاشم بسطاوي...
شهادات هؤلاء تجمع كلها على إحساس شديد في النفس بذلك التناقض الصارخ ما بين العمل في مجال الفن ومتطلبات التدين عندهم. ذلك الإحساس الشديد المؤلم الذي نسميه "إحساسا بالذنب"، كان يرافقهم في كل عمل يؤدونه، فيكونون حينها بين إغراءات الفن وووعيد مخالفة الدين.
فهل المشكل في الفن، أم في الدين، أم في فهم هؤلاء للدين؟
سؤال غاية في الأهمية من المفترض أن يطرحه كل فنان على نفسه بصدق بعيدا عن صخب وتشويش "المعجبين".
(2) ـ بيئة الفن يخيم عليها فُحش يخنق الحياءَ..:
تكفينا شهادة اعتزال الفنان هاشم بسطاوي لكي نكتشف أن بيئة العمل الفني ليست بالنظيفة، وأنه تتخللها وتحفها الكثير من الشبهات... شبهات تطعن في الدين والأخلاق والأعراف، فيحس فيها كل ذي فطرة سليمة بالضيق أو حتى الاختناق.
وإن أدنى ما يُرفع من هذا الدين في فضاء الفن هو خلق "الحياء"..، وما أدراك ما الحياء !.. فإنه "لكل دين خلقا، وخلق الإسلام الحياء": إنه زينة أخلاق الإسلام التي يفضُل بها على غيره.
و إن الحياء هذا لا يمكن فصله عن الإيمان، ذلك أن "الحياء والإيمان قُرِنا جميعا، فإذا رُفع أحدهما رفع الآخر": غياب أحدهما يقتضي بالضرورة غياب الآخر، وكذلك زيادته أو نقصانه.
و عند النظر إلى بيئة العمل الفني، بحسب شهادات أهله، فإن أول ما يستوجب الخرق هو غشاء الحياء ذاك. غير أن التطاول عليه والزيادة على ذلك بالانحراف إلى البذاءة والوقاحة تطورٌ خطير تزداد حِدته في الإنتاجات التي توصف تبجحا وتفاخرا أجوف بأنها "جريئة"؛ متناسين أنه "ما كان الفُحش في شيء إلا شانه، وما كان الحياءُ في شيء إلا زانه".
و لعله من المفيد أن يعلم عدد ممن كنا نحترمهم ونقدرهم، أنهم قد سقطوا من أعيننا سقوطا مدويا، منذ أن سمحوا لأنفسهم بأن يقابلوا احترامنا وتقديرنا لهم باستعراض بذاءتهم ووقاحتهم على شاشات التلفاز والسينما، فحُق فيهم القول: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت".
(3) ـ ما هي رسالتك أيها الفنان؟
ما الذي نريده من الفن؟ هل هو مجرد مورد رزق يُسترزق به وكفى..، أم غايتهُ رسالةٌ عظيمة يجب أن تؤدى؟
إنه، سواء أدرك الفنان ذلك أم لم يدرك، فإن كل فن هو رسالة متضمنة تؤدى: فإما أن تكون رسالة إيجابية تنفع المجتمع..، وإما أن تكون رسالة سلبية تؤذيه.
لقد كان الفن إلى عهد قريب أداة من أدوات بناء مشروع وطن يحلم به الجميع.
في عهد الاحتلال، كان الفن أداة مقاومة: فكان للفنان بذلك شرف الانتماء إلى صفوف رجال ونساء المقاومة الذين ضحوا بالغالي والنفيس من أجل تحرير البلاد والعباد. كانت هذه المقاومة الثقافية حينها تجمع ما بين مقاومة الاحتلال نفسه، ومقاومة الأغلال الثقافية التي جعلت المغرب مهيئا أصلا للسقوط.
ثم مباشرة بعد الاستقلال، ومع شدة الحماس الوطني الذي عَمّ دفؤه كما شرارته الجميع في أفق بناء مغرب حديث، كان الفن إحدى وسائل التربية والتوعية والدعاية لمتطلبات مشروع "المغرب الجديد". فكان هذا الفن يمزج ما بين محاولات "هدم" ما كان يعتبر عوائق تحول دون التقدم مما ورثه المغاربة من تقاليد وأعراف توصف بأنها "بالية"..، مقابل "البناء" من خلال استنساخ تقاليد وأعراف جديدة مستلهمة من الخارج... على كل حال، هذا ما كان يحسبه الجميع بحماس منقطع النظير تغذيه تضحيات المقاومين التي كانت ما تزال ذكراها ماثلة في النفوس...
... مع خروجنا من فوهة الكهف المظلم الذي كنا قابعين فيه نفرك أعيننا بقوة، وأبصارنا قد انطمست بفعل قوة الأشعة التي تأتينا من الخارج..، كنا حينها نخبط خبط عشواء هنا وهناك على غير هدى حقيقي... ثم ها قاد زالت الغشاوة واحتد البصر..، فماذا وجدنا؟..
... وجدنا أن ما كنا نعمل على هدمه جمعنا فيه الصالح والطالح على حد سواء؛ وأن ما كنا نعمل على استلهامه جمعنا منه هو الآخر الصالح والطالح. ألسنا بعد هذا في حاجة ماسة إلى وقفة جادة للمراجعة والتقييم والاستدراك، وليس التمادي في الخبط؟!...
(4) ـ في الحاجة إلى مراجعة المسار الفني:
يستنكر سعيد أن يكون "الفعل الفني في ذاته موضع شبهة"، وأن "تستوجب الممارسة الإبداعية اعتذارا أخلاقيا".
أولا: شهادات الفنانين الذين اعتزلوا لأسباب دينية تؤكد فعلا أن هناك شبهة، ولم يترددوا في الاعتذار... شهاداتهم تؤكد فعلا "إدانة الفن"، وأنهم كانوا في حالة "انفصام شديد ما بين معتقداتهم الدينية وعملهم الفني"، مما جعلهم تحت وطأة إحساس ممتد بالذنب لن يخف إلا بالانسحاب.
لم يتحملوا حالة "الفُصام"، ولم يجدوا البيئة السليمة التي يتحقق فيها الانسجام وتتحقق الطمأنينة النفسية..، فانسحبوا.
لهذا نقترح على سعيد بأن مسؤولية "إعادة الاعتبار لصورة الفنان داخل الوعي الجماعي"، تقع، أول ما تقع، على عاتق أهل الفن أنفسهم. فإن كانت للوعي الجماعي صورة غير سليمة عن الفنان فبسبب الفنان نفسه قبل أن يُرمى باللائمة على غيره.
لن نخوض في أعراض الناس من خلال الفضائح التي تتكشف هنا وهناك لدى بعض من أهل الفن، فذلك شأن لا يخصنا، ويستوجب الستر على كل حال حتى وإن لم يتورع بعضهم عن المجاهرة بذلك... أما ما يتجرأ به بعض الفنانين أمام الجمهور مباشرة بدعوى "الفن"، و"حرية الإبداع"، وأن الفن "خارج عن نطاق الحلال والحرام"..، فتصل بهم الجرأة، أو بالأحرى: الوقاحة، إلى مستوى خدش الحياء والآداب العامة وتمرير ما يفت في عضد المجتمع..، فهذا هو "الخلل الحقيقي في سلم القيم"، "و هذا إخلال وهدم "للمعنى المشترك"، وهذا هو ما يفسر تلك "النظرة إلى الفن بعين الريبة لا بعين التقدير"، وهذا هو فعلا الذي "يدفع بالإبداع إلى الخلف"...
الأمثلة على مصادمة قيم المجتمع لا حصر لها، ولا حاجة إلى جردها... فإذا أنكر أحد منهم ذلك أو استغربه، فذلك يعكس فعلا "خللا في سلم قيمه"، و"غربته" عن هذا المجتمع المغربي الذي يعيش فيه.
ثم أستسمح كل فنان بالقول: إنه وبدل التهجم على ما رسب في قناعة المجتمع تجاه الفنانين، فإن الأوْلى أن ينكبّ الفنان على فنه أولا مراجعةً وتقييمًا لكي يصل بذلك إلى ما يجعل مجتمعه يحتضنه ويدعمه. ولعل أول مدخل إلى ذلك: المصالحة مع قيم مجتمعه بوصفه مجتمعا "مغربيا مسلما"، ولا يستطيع إلا أن يكون "مغربيا مسلما".
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى
