فرح عطيات عمان - تطفو على سطح النقاش حول مشروع قانون الإدارة المحلية، مخاوف تتجاوز تفاصيل التعديلات إلى جوهر المسار الذي قد تفضي إليه، في ظل مؤشرات يراها مختصون مقلقة وتمس طبيعة الحكم المحلي وحدود استقلاله.
فبينما يُفترض أن يشكل القانون رافعة لتعزيز اللامركزية، تتنامى هواجس من أن بعض بنوده قد تقود إلى تقليص دور المجالس المنتخبة، وإعادة ترسيخ مركزية القرار بصيغ جديدة، ما يضع مستقبل المشاركة الشعبية والمساءلة أمام اختبار حقيقي.
ولا تقف هذه المخاوف عند حدود الصلاحيات، بل تمتد إلى البعد الديمقراطي ذاته، خاصة مع طرح تأجيل الانتخابات، وما قد يترتب عليه من إضعاف دورية الاستحقاقات وتراجع ثقة المواطنين بالمؤسسات المحلية.
كما يثير تغيير توصيف البلديات، وآليات تعيين القيادات التنفيذية، تساؤلات حول ما إذا كان المسار التشريعي، يسير باتجاه تمكين المجتمعات المحلية أم إعادة تشكيلها ضمن أطر أكثر ارتباطاً بالمركز.
في المقابل، لا تخلو المسودة من ملامح إصلاحية، ترتبط بتعزيز الشفافية وتوسيع قاعدة المشاركة، غير أن هذا التداخل بين الإيجابي والمثير للجدل، يكرّس حالة من الترقب الحذر.
وبين هذه المعطيات، يبدو المشروع أقرب إلى مفصل تشريعي دقيق، تتحدد عبره ملامح العلاقة المستقبلية بين الدولة والمجتمع المحلي، وحدود الدور الذي يمكن أن تضطلع به البلديات في إدارة شؤونها بعيداً عن القيود التقليدية.
تطلعات للوصول لـ"الحكم المحلي"
وجاءت مسودة مشروع القانون بـ"تعديلات جوهرية"، تفيد الانتقال من "الإدارة المحلية" بمفهومها الضمني إلى ما نتطلع إليه في الأردن بالوصول إلى "الحكم المحلي"، وفق وزير الشؤون البلدية الأسبق د. حازم قشوع.
وبين قشوع لـ"الغد"، أن رئيس الوزراء د. جعفر حسان، تحدث في اللقاء الذي عقده الأربعاء الماضي عن "حالة احترازية"، مؤكدا أن الحكومة قدمت عدة إجراءات لتعزيز مفاهيم "الشفافية"، و"الحاكمية"، وتعظيم مشاركة المرأة والشباب، بهدف "توسيع" المشاركة الشعبية إذا كانت عبر الفئات المستهدفة بالقانون كالشباب والنساء وذوي الإعاقة.
وبشأن المساءلة، فإنه اعتبر بأن هذه الخطوة بحاجة لإعداد تعليمات وأنظمة تفي بهذا الغرض، بخاصة في ظل الحديث عن هيكلية إدارية جديدة، ووصف وظيفي، ولا سيما للمدير والجهاز التنفيذي المناط بهم إدارة الشؤون المالية واللوجستية، والفنية والتنظيمية والإدارية الخاصة بكل بلدية.
وأكد قشوع، أن المسودة، يمكن وصفها بأنها "جيدة" في ظل أن الظرف العام الحالي، لا يمنح مساحة أوسع للعمل على قضايا أكثر تتعلق بالبلديات. فالتعديلات، طالت خمس مفردات رئيسة أهمها ترسيخ الشفافية، والحوكمة، وتوسيع حجم المشاركة الشعبية، وإعطاء صلاحيات أوسع للمدير التنفيذي، وإعداد خطة شاملة لعدة قطاعات.
وحول بند خفض سن الترشح لـ22 عاماً، رأى أن عمر الناخب والمرشح يجب أن يكون موحد، بالاستناد على منح الحرية للأفراد باختيار ممثليهم بعيداً عن العمر والتحصيل العلمي، والذي يعزز من مفاهيم "الحرية والديمقراطية".
وبهذا الشأن تحديداً، أكد قشوع أن الخبرة والإبداع لا علاقة لهما بسن أو بتحصيل علمي والذي من شأنه أن "يعرقل الحريات"، فالشروط الواجب توفراها بالناخب يجب أن تكون في ذاتها للمرشح دون "تفرقة"، وطالما أن القانون سمح بتعيين مدير تنفيذي وهو المعني بعملية التنفيذ، تبعا له.
وفي المقابل، يجب الإبقاء على الشهادة الجامعية للمدير التنفيذي، وأن يكون مهندسا أو فنيا، لديه خبرة، لأهمية صلاحياته ودوره، منتقدا الإبقاء على "الكوتا" الخاصة بالمرأة وحتى الشباب في مسودة مشروع القانون، إذ من المفترض أن تتسم بها الأحزاب فقط وليس المجالس البلدية، في ضوء أن ما نصبو إليه وجود إطار ناظم للانتخابات.
كما يجب أن يكون هنالك توجه، وفق قشوع، لتحويل بنك تنمية المدن والقرى لذراع استثماري، ليكون بمنزلة "الجسم الإنتاجي" وبالتعاون مع البلديات، وعبر تنفيذ مشروعات إنتاجية، بحيث تتسم البلدية بأنها "الجسم الخدمي".
"تعطيل" المؤسسات المنتخبة لا مسوغ له
وبخصوص توجه الحكومة لتأجيل الانتخابات إلى عام 2027، فإن الخبير بالشأن البلدي د. أسامة العزام، يرى في هذا التوجه ما يدعو لـ"القلق"، لا سيما أن "تعطيل" المؤسسات المنتخبة وتأجيل استحقاقاتها لم يكن له "مسوّغ" منذ البداية.
وهذا الأمر، وفق العزام، "يحرم" التجربة الديمقراطية المحلية من فرصة "النضوج" عبر الممارسة، والضمانة الحقيقية لاستدامة الإدارة المحلية، إنما تكمن في "دورية الانتخابات وانتظامها". ولكن المشكلة الجوهرية، التي نعانيها هي "أزمة أداء"، لا أزمةُ آليةِ "اختيارٍ" وحسب؛ فالتأجيل لن يُفضي إلا إلى "فراغٍ في المساءلة"، و"تآكلٍ في ثقة المواطن"، دون أن يعالج جذور المشكلة.
وحول الملامح التي رشحت عن مسودة القانون، يعتقد العزام أننا أمام حالة من "التناقض الهيكلي"؛ ففي حين نلمس توجهاً "محموداً" لتبني أدوات "حوكمة حديثة"، "نُفاجأ بارتداد مقلق" نحو المركزية و"تجريد" المجالس المنتخبة من صلاحياتها الحقيقية.
وقال العزام "يبقى الحكم القطعي مرهوناً بصدور النص الرسمي للمشروع"، لكن فصل رسم السياسات والرقابة عن التنفيذ اليومي "خطوة ممتازة" لإنهاء "تداخل" الأدوار الذي يغرق الرئيس المنتخب "بالتفاصيل ويعيق المساءلة".
لكن حصر تعيين المدير التنفيذي بوزارة الإدارة المحلية لا يلقى "قبولاً" لدى العزام، لأنه في هذه الحالة سيصبح "ولاءه لمن يملك قرار تعيينه وإقالته"، ما يحوله إلى حاكم إداري "يأتمر بأمر المركز ويهمش المجلس".
وقد طرح حلاً متوازناً لذلك، يتمثل بأن تكتفي الوزارة بدور "الحاضنة" التي تضع شروطاً "صارمة" وتؤسس "مساراً للكفاءات"، على أن يُترك حق الاختيار والتعيين الحصري للمجلس البلدي من ضمن هذه النخبة المؤهلة، لضمان "كفاءة الإدارة وبقاء سلطة المحاسبة الفعلية" بيد ممثلي الشعب.
أما بند الموازنة التشاركية (15-25 %) فبين العزام، أن هذه الفكرة "رائدة وأداة قوية جداً" لردم "فجوة الثقة" وإعادة السلطة للمواطن، وهي الوسيلة "الأنجع" لجعل عملية تخصيص الموارد أكثر شفافية، تبعا له.
ولكن "الخطورة" تكمن في مقترح "تعيين" ممثلين عن المجتمع المحلي لإدارتها؛ فهذا الإجراء "يُفرغ" الموازنة التشاركية من مضمونها الديمقراطي، ويحوّلها لآلية "محسوبية جديدة"، لافتا إلى أن تغيير تعريف البلدية لـ"مؤسسة عامة"، ليس مجرد "تغيير لغوي أو.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
