بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
في مشهد يعكس تحولات عميقة داخل القارة السمراء، لم يعد الدور المغربي في أفريقيا مجرد حضور دبلوماسي تقليدي، بل أصبح فاعلًا مؤثرًا ومحددًا في مسارات الأزمات والحلول. كلمات الإشادة التي وُجهت إلى وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة من قبل رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي لم تكن مجاملة بروتوكولية عابرة، بل تعبيرًا صريحًا عن واقع جديد يتشكل داخل بنية القرار الأفريقي.
إشادة تتجاوز المجاملة وتؤسس لاعتراف قاري
حين يخاطب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي وزيرًا وطنيًا بعبارات تحمل طابعًا إنسانيًا وشخصيًا، مثل الدعاء له بالحفظ والحماية، فإن ذلك يعكس مستوى غير مسبوق من الثقة والتقدير. هذه الإشادة تحمل في طياتها دلالات سياسية عميقة، أبرزها أن المغرب لم يعد مجرد عضو فاعل، بل أصبح شريكًا استراتيجيًا في صياغة الرؤية الأفريقية المشتركة.
بوريطة من وزير خارجية إلى الأب الروحي للدبلوماسية الأفريقية
وصف ناصر بوريطة بـ الأب الروحي للدبلوماسية الأفريقية ليس توصيفًا إعلاميًا مبالغًا فيه، بل هو انعكاس لدور تراكمي يقوم على ثلاث ركائز أساسية:
الوساطة الهادئة: حيث يفضل المغرب العمل بعيدًا عن الأضواء، معتمدًا على قنوات الحوار المفتوحة مع مختلف الأطراف.
الدعم العملي: من خلال تقديم خبرات تقنية ومؤسساتية للدول الأفريقية في مجالات الأمن، التنمية، والحكامة.
الرؤية الاستباقية: التي لا تكتفي بإدارة الأزمات، بل تسعى إلى منعها من الأصل.
هذا النهج جعل من الدبلوماسية المغربية نموذجًا يُحتذى به داخل القارة، خصوصًا في ظل التحديات المعقدة التي تواجه العديد من الدول.
المغرب من فاعل إقليمي إلى قوة اقتراح دولية
تأكيد مفوضية الاتحاد الأفريقي على اعتمادها الكبير على الخبرات المغربية يعكس تحوّلًا نوعيًا في موقع المملكة. فالمغرب لم يعد يكتفي بالدفاع عن مصالحه، بل أصبح قوة اقتراح تساهم في بلورة حلول جماعية للقضايا الأفريقية، من النزاعات السياسية إلى التحديات الاقتصادية والأمنية.
بل إن الطموح المغربي، كما تعكسه هذه التصريحات، يتجاوز الإطار الأفريقي نحو لعب دور دولي في حل الأزمات، مستندًا إلى رصيد من المصداقية والعلاقات المتوازنة مع مختلف الفاعلين الدوليين.
السياسة الملكية البوصلة الحقيقية لهذا التحول
غير أن هذا التميز الدبلوماسي لا يمكن فصله عن الرؤية الاستراتيجية التي يقودها محمد السادس نصره الله وأيّده، والتي شكلت الأساس الصلب لكل هذا التقدم. فالسياسة الملكية السامية، القائمة على الانفتاح والتعاون جنوب جنوب، هي التي أرست معالم الحضور المغربي القوي داخل أفريقيا.
لقد حرص جلالة الملك حفظه الله على جعل القارة الأفريقية في صلب أولويات السياسة الخارجية للمغرب، من خلال زيارات ميدانية، وتوقيع شراكات استراتيجية، وإطلاق مبادرات تنموية ملموسة. هذه التوجيهات الملكية السامية منحت للدبلوماسية المغربية وضوحًا في الرؤية وفعالية في التنفيذ، وهو ما يفسر المكانة التي أصبحت تحتلها المملكة اليوم.
نحو شراكة أفريقية جديدة
الرسالة الأهم في هذا السياق هي أن القارة الأفريقية بدأت تعيد تشكيل أدواتها الذاتية لحل مشاكلها، بعيدًا عن الوصاية الخارجية. وفي هذا المسار، يبرز المغرب كأحد أبرز المهندسين لهذا التحول، من خلال دبلوماسية تقوم على التعاون جنوب جنوب، والاحترام المتبادل، وتقاسم الخبرات.
خلاصة
ما قيل في حق ناصر بوريطة ليس مجرد ثناء، بل شهادة على مرحلة جديدة من الحضور المغربي في أفريقيا. مرحلة عنوانها: التأثير بدل التتبع، والمبادرة بدل رد الفعل.
لكن الحقيقة الأعمق تظل أن هذا النجاح هو ثمرة رؤية ملكية متبصرة، جعلت من المغرب فاعلًا وازنًا وموثوقًا، وقوة دبلوماسية صاعدة تفرض احترامها داخل القارة وخارجها، وترسم لنفسها موقعًا متقدمًا بين الأمم.
هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24
