انهيار التعليم في العراق والدول العربية: بين خلل البنية وغياب الإرادة

انهيار التعليم في العراق والدول العربية: بين خلل البنية وغياب الإرادة

بقلم الاستاذ الدكتور خالد الحديثي استاذ التكنولوجيا المتقدمة

لم يعد الحديث عن تراجع التعليم في العراق والدول العربية ترفاً فكرياً أو نقداً عابراً، بل أصبح ضرورة وجودية تمس حاضر المجتمعات ومستقبلها. نحن لا نقف أمام أزمة تعليمية تقليدية يمكن احتواؤها بإصلاح جزئي، بل أمام خلل عميق في بنية العلاقة بين الدولة والمعرفة، بين المجتمع والعلم، وبين الإنسان العربي ودوره في إنتاج الحضارة. الأخطر من ذلك أن هذا التراجع لم يعد يُنظر إليه كأزمة طارئة، بل بدأ يتحول تدريجياً إلى حالة طبيعية، وهو أخطر أشكال الانهيار.

في جوهر المشكلة، تم تفريغ التعليم من معناه الحقيقي. فبدلاً من أن يكون أداة لتحرير العقل وبناء الإنسان القادر على التفكير والنقد والإبداع، جرى توظيفه في كثير من السياقات كأداة للضبط الاجتماعي وإعادة إنتاج الامتثال. الطالب الجيد لم يعد هو من يسأل ويحلل، بل من يحفظ ويكرر. المناهج لم تعد تُصاغ لتوسيع أفق التفكير، بل لتجنب الأسئلة الحساسة، ولترسيخ أنماط جاهزة من الفهم. وهكذا يتحول التعليم من فضاء للحرية الفكرية إلى إطار مغلق يحدّ من قدرات الإنسان بدل أن يطلقها.

وفي قلب هذا الانحراف، تبرز إشكالية دقيقة لكنها مؤثرة بعمق، تتمثل في تداخل التعليم مع المؤثرات الدينية والطائفية عندما تتحول من إطار قيمي جامع إلى أداة للانقسام. فالتعليم بطبيعته يجب أن يكون فضاءً معرفياً محايداً يسعى إلى بناء عقل إنساني متوازن، لا ساحة لإعادة إنتاج الانتماءات الضيقة أو تكريس الاختلافات على حساب الهوية الوطنية الجامعة. إن توظيف الدين أو الطائفة داخل المنظومة التعليمية، سواء عبر المناهج أو من خلال البيئة التربوية أو حتى عبر الرسائل غير المباشرة، يؤدي إلى تشتيت الوظيفة الأساسية للتعليم، ويزرع في وعي الطالب انقسامات مبكرة تحدّ من قدرته على التفكير الحر والتفاعل الإيجابي مع الآخر. المشكلة لا تكمن في حضور البعد الديني كجزء أصيل من الهوية الثقافية، بل في تحويله إلى أداة فرز أو اصطفاف داخل مؤسسات يفترض أن تكون منابر للوحدة. وعندما تتغلغل هذه الانقسامات في الصروح التعليمية، فإنها لا تضعف جودة التعليم فحسب، بل تقوّض الأساس الاجتماعي الذي يقوم عليه أي مشروع وطني جامع.

ومع مرور الوقت، لم يعد الخلل مقتصراً على الفلسفة التربوية، بل امتد ليضرب العقد الأخلاقي للتعليم نفسه. في المجتمعات التي تحترم التعليم، توجد علاقة ثقة واضحة: الشهادة تعني كفاءة، والنجاح يعكس جهداً حقيقياً. أما في كثير من البيئات العربية، فقد تآكلت هذه الثقة. أصبح الغش ظاهرة مألوفة، وتحولت الدروس الخصوصية إلى نظام تعليمي موازٍ، وصار النجاح في كثير من الأحيان نتيجة التفاف على النظام لا ثمرة استحقاق. حين يفقد التعليم مصداقيته، يفقد المجتمع أحد أهم أعمدته الأخلاقية.

ولا يمكن فهم هذا الانهيار دون التوقف عند دور البيروقراطية، التي تحولت في كثير من الأحيان إلى عائق حقيقي أمام أي إصلاح. فالمؤسسات التعليمية تُدار بعقل إداري تقليدي بطيء، يخشى التغيير أكثر مما يسعى إليه. المبادرات الإصلاحية، مهما كانت جادة، تصطدم بجدران من الإجراءات المعقدة، والمصالح المتشابكة، والمقاومة الداخلية. وهكذا يصبح النظام التعليمي مغلقاً على ذاته، يعيد إنتاج نفس الاختلالات جيلاً بعد جيل.

في موازاة ذلك، يقف الاقتصاد كعامل حاسم في تشكيل واقع التعليم. في بيئات يغلب عليها الطابع الريعي أو محدودية الفرص القائمة على الكفاءة،.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من وكالة الحدث العراقية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من وكالة الحدث العراقية

منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 41 دقيقة
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعة
وكالة الحدث العراقية منذ ساعتين
قناة السومرية منذ 11 ساعة
موقع رووداو منذ 18 ساعة
قناة السومرية منذ 7 ساعات
وكالة الحدث العراقية منذ ساعة
قناة السومرية منذ 7 ساعات
وكالة الحدث العراقية منذ 4 ساعات
قناة السومرية منذ 8 ساعات