عمارة حسن فتحي..حلم الطين و الحجر

في البدء، لم تكن العمارة علمًا ولا صنعة، بل كانت صلاة. حين رفع الإنسان أول حجر، لم يكن يشيّد مأوى، بل يبني صدى لروحه في العالم. ومنذ لحظة الوقوف الأولى على الأرض، صار البناء فعلًا وجوديًا، شهادة على أن الإنسان مرّ من هنا، وأنه أراد أن يُخلِّف أثرًا يشبهه. ولهذا، فإن العمارة لا يمكن اختزالها في الطوب والمونة، أو في التصميمات والنماذج، بل هي اختزال دقيق لفلسفة الإنسان، لتاريخه، لعلاقته بالسماء والأرض، بالماء والنار، بالظلّ والنور، بالآخر، وبنفسه.

فتح هذا الفهم العميق الطريق أمام جيل جديد من المعماريين المصريين، مثل سيف أبو النجا ومصطفى فهمي ويحيى شوكت وهدى عفيفي، ممن يحاولون استكمال الطريق، كلّ على طريقته، في حوارٍ صعب بين الواقع والحلم، بين المخطط وبين الموروث.

وما أشدّ الحاجة اليوم إلى فلسفة فتحي. في زمنٍ تتسارع فيه ناطحات السحاب، وتُستنسخ فيه الأحياء، وتتكرر الأشكال، صار السؤال عن "الهوية" أكثر إلحاحًا. من نحن في هذا العالم الإسمنتي؟ ما الذي نتركه لأبنائنا؟ هل يعرف طفلٌ وُلد في "كمبوند" كيف كانت بيوت جدوده؟ هل يشعر بأن له جذورًا؟

الإجابة، كما كان يُردد فتحي، تبدأ من الطين. من الاعتراف بأن المعمار ليس رفاهية، بل هوية. ليس صورة على إنستغرام، بل علاقة حيّة بين الإنسان ومكانه. من الاعتراف بأن المعلّم البنّاء، والفلاح، والمرأة التي تطرّز الستارة، شركاء في المعمار كما المهندس.

وهكذا، يبقى حسن فتحي، لا كأثرٍ من الماضي، بل كإمكانية للمستقبل. كأنَّ كل قبة بناها كانت رجاءً، وكل جدارٍ من طينٍ دعوة للتواضع. إننا لا نحتاج ناطحة كي نُثبت وجودنا، نحتاج بيتًا يُشبهنا. بيتًا نحلم فيه، ونبكي، ونغني، ونسكن كما يليق بالبشر.

ومن هنا، فإن كل ما فعله فتحي يمكن اختزاله في فعل واحد: أنه أعاد الإنسان إلى البيت. لا بيت التملك العقاري، ولا بيت البذخ، بل بيت العِشرة. بيت لا يلمع من الخارج، بل يُنير الداخل. وفي هذا البيت، ربما تبدأ مصر من جديد.

ولعلنا لا نملك الآن إلا أن نتأمل: ماذا لو كانت المدن مرآةً لأرواح من سكنوها؟ هل كنّا سنبنيها بهذه القسوة؟ هل كنا سنطرد الظلّ من الأزقة، ونطمر الزقزقات خلف الزجاج العازل، ونقتلع الأشجار من الجذور كي نزرع بديلًا عنها أعمدة خرسانية لا ظلّ لها ولا شوق؟

ربما لم يكن حسن فتحي نبيًا، لكنه كان يُنصت لما لا يُقال، يُصغي لشكوى البيوت، لحنين التراب، لاحتياج الناس إلى مأوى لا يُشبه السجون، بل يُشبه أمهاتهم، يُشبه طفولتهم. كان يعرف أن العمارة لا تُقاس بالمقاسات، بل بالمشاعر. أن الحوائط إن لم تحتضن، فهي جدران لا بيوت.

واليوم، وبينما يعلو صوت السوق على صوت الطين، نحتاج أن نعود إلى أول الحكاية، إلى تلك اللحظة التي رفع فيها الإنسان حجرًا لا ليُقيم به جدارًا، بل ليكتب به بيتًا لقلبه.

نحتاج أن نطرح السؤال من جديد، لا كمهنة، بل كقصيدة:

كيف نسكن هذا العالم دون أن نؤذيه؟

كيف نبني بيوتًا لا تعزلنا عن الضوء، بل تُمرّره إلينا بحنو؟

كيف نُصغي لصوت الجدران، لصمت الساحات، لصدى الأقدام على البلاط؟


هذا المحتوى مقدم من بوابة دار الهلال

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بوابة دار الهلال

منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 5 ساعات
بوابة الأهرام منذ 22 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 3 ساعات
موقع صدى البلد منذ 3 ساعات
مصراوي منذ 3 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ ساعتين
بوابة الأهرام منذ 20 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ 9 ساعات