سعيد المالكي
تُثير الأزمة المشتعلة في المنطقة تساؤلًا بسيطًا، لكنه مزعج: لماذا يقف القريبُ أحيانًا ضد القريب؟
لستُ محللًا سياسيًا، ولا خبيرًا استراتيجيًا؛ بل إنسانٌ عادي يحلم بالعيش بسلام وكرامة، يرى ما يدور حوله في منطقته، ويحاول أن يفهمه بعقله البسيط ليطمئن، دون الغوص في دهاليز السياسة وتعقيداتها.
يقولون إن السياسة بحرٌ عميق، لا يفهمه إلا أهله. ويقولون أيضًا إن الدول لا تتحرك بالعواطف، بل بالمصالح. جميل، ومفهوم، بل ومنطقي.
لكن، ماذا يحدث عندما تصبح المصالح ضد البديهيات؟
سؤال بسيط، وربما ساذج في نظر أهل الاختصاص: كيف يمكن لدولٍ في منطقة واحدة، يجمعها التاريخ والجغرافيا واللغة والمصير، أن تجد نفسها -في لحظة حرجة- أقرب إلى موقف المعتدي الخارجي، منها إلى الجار الذي تشترك معه في كل شيء؟
هل المسألة حسابات دقيقة، أم إعادة تعريف غريبة لكلمة مصلحة؟
في منطق الحياة البسيطة، الجار أولى. ليس فقط بدافع العاطفة؛ بل بدافع العقل أيضًا.
فالجار -إن اشتعل بيته- لن يبقى الحريق في بيته وحده. لكن يبدو أن هذا المنطق لم يعد صالحًا في النسخة الحديثة من السياسة.
فجأة، يصبح القرب الجغرافي تفصيلًا، والتاريخ المشترك مجرد أرشيف، واللغة الواحدة، لا تترجم موقفًا.
ويصبح السؤال الأكثر إرباكًا: متى تحوّل الجار إلى عبء، والمعتدي الذي جاء من بعيد إلى شريك؟
ولأن الذاكرة -على ما يبدو- انتقائية أحيانًا، دعونا نسترجع مشهدًا قريبًا نسبيًا؛ حين تم احتلال الكويت (مع تأكيدنا على أنه غاشم وظالم وانتهاك لسيادة شقيقة)، لم يأخذ الأمر سنوات من التحليل الاستراتيجي، ولا ترددًا طويلًا في تحديد الموقف.
خلال أشهر قليلة، اصطفت المواقف، وتحركت الجيوش، ورُسم خط واضح بين "معتدٍ" و"معتدى عليه".
كان الموقف -ببساطة- واضحًا. لكن، ذلك الوضوح كان نتيجة لشيء أبعد من المبادئ. كانت المصالحُ الأكبر هي المحرك، مصالح صديق بعيد يملك قرار التحرك حين تتقاطع مصالحه مع الحدث.
وهنا، يبرز سؤالٌ قد يبدو غير منطقي حين يكون عكس المصالح الكبرى:
لماذا يبدو المشهد مختلفًا اليوم؟ لماذا يصبح التعقيد سيد الموقف، حين لا تكون المصالح الكبرى في نفس الاتجاه؟ وقد تختلف زوايا النظر من بلدٍ لآخر، لكن المشهد العام -بكل تناقضاته- يبقى حاضرًا أمام الجميع.
في فلسطين وغزة؛ حيث الاحتلال الغاشم، والحصار المستمر، والإبادة الجماعية والتطهير العرقي والمعاناة التي لا تخفى على أحد، تتعدد القراءات، وتتلعثم العبارات، وتُوزن الكلمات بميزان دقيق.
وفي أزمات أخرى في المنطقة، نرى ترددًا، أو حيادًا، أو حتى اصطفافًا غير متوقع.
فهل تغيّرت المعايير؟ أم أن المعيار كان دائمًا مرتبطًا بما هو أبعد من الحدث نفسه؟ ولماذا تختلف ردود الفعل باختلاف الأطراف، حتى عندما تتشابه الوقائع؟
في بعض النزاعات، نرى مواقف سريعة وواضحة، وإدانات لا تحتمل التأويل، بينما في نزاعات أخرى -لا تقل خطورة- تصبح اللغة أكثر حذرًا، وتغيب الحدة ذاتها. فهل يتعلق الأمر بطبيعة الحدث، أم بهوية أطرافه؟
ثم كيف يمكن تفسير مشهد آخر أكثر تعقيدًا: أن تتحول أراضي في المنطقة -بصورة مباشرة أو غير مباشرة- إلى مساحات يُهاجم منها دولة جارة ويُدار منها الصراع؟
وإذا كان من البديهي أن أي دولة ستسعى للدفاع عن نفسها عند تعرضها لاعتداء، فلماذا يُستغرب الرد أحيانًا، وكأنه خروج عن المألوف، لا نتيجة طبيعية لما سبقه؟
وأكثر ما يثير الحيرة: لماذا تبدو دعوات التهدئة والحوار أقل حضورًا في بعض الملفات، في حين يتم تبني دعوات لانخراط المباشر، قد يزيد المشهد تعقيدًا بدل احتوائه؟
وهل يمكن لمنطقة تعاني من هشاشة في التوازنات وهي تعاني من الآن وقبل أن تكون طرفًا فيها، أن تتحمل الانخراط في صراعات أوسع، لا تبدو نتائجها مضمونة؟ خصوصًا إذا كانت كلفة المواجهة -في مختلف أبعادها- تفوق بكثير أي مكاسب محتملة، في واقعٍ لا تزال فيه.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية
