لم يكن القرن الحادي والعشرون، في وعي شريحة واسعة من الاقتصاديين وصنّاع القرار، سوى امتداد مريح لعالمٍ ظنّ أنه تجاوز تناقضاته الكبرى. فقد ارتفعت التجارة العالمية من نحو 39 % من الناتج العالمي عام 1990 إلى 62 % قبيل عام 2020، و56.5 % لعام 2024 (بيانات البنك الدولي)، وتمددت سلاسل الإمداد عبر القارات، وانخفضت تكاليف الإنتاج والنقل، حتى بدا وكأن الأزمات تُدار عبر الأسواق، والصراعات تُحتوى عبر تشابك المصالح، بينما تتكفّل التكنولوجيا بإعادة إنتاج الاستقرار.
كان ذلك أقرب إلى وهمٍ منظم، أو هدنة تاريخية، انسجمت مع أطروحة فوكوياما حول «نهاية التاريخ»، حيث تتراجع الحروب وتتراكم الرفاهية بوصفها مسارًا شبه حتمي.
غير أن هذه الطمأنينة لم تكن سوى استراحة قصيرة في مسار تاريخي أكثر قلقًا. ففي أقل من عقد، عاد التاريخ ليُذكّر العالم بطبيعته القلقة، الحروب في قلب أوروبا، والشرق الأوسط انفجر على أكثر من جبهة، وتحولت الممرات البحرية من شرايين ازدهار إلى نقاط اختناق جيوسياسي. تعطّل ما يقارب 12 % من التجارة العالمية عبر باب المندب في لحظات التوتر، وارتفعت أسعار الطاقة، ولم تعد سلعة فقط، بل أداة نفوذ وصراع، ولم تعد الممرات البحرية طرقًا للتجارة فقط، بل مفاتيح للنفوذ العالمي. هنا يتجسد تحذير كيسنجر «لنظام الدولي لا يُدار بالأماني، بل بتوازنات القوة، وأن كل استقرار يحمل في داخله بذور اضطرابه».
تدريجيًا، اتضح أن ما يجري ليس أزمات متفرقة، بل تحوّل بنيوي عميق. فقد بلغ التضخم مستويات قاربت 9 % في بعض الاقتصادات، وتجاوز الدين العالمي 300 تريليون دولار، فيما بقي أكثر من 80 % من التجارة الدولية رهين النقل البحري.
بهذا المعنى، لم تعد الجغرافيا خلفية محايدة، بل عادت إلى مركز القوة الحاكمة؛ فالمضائق البحرية، الشرايين الأكثر حساسية، نحو 20 % من تجارة النفط تمر عبر هرمز، وأكثر من 10 % من التجارة العالمية عبر باب المندب. أي اضطراب هنا لا يبقى محليًا، بل يتحول إلى موجة تضخم عالمية. إنها عودة لنظرية ماكيندر بصيغة معاصرة «العالم يُدار عبر نقاط الاختناق الإستراتيجية لا عبر المساحات الواسعة». ولحظة تلتقي فيها السياسة بالاقتصاد، والأمن بالجغرافيا، في انسجام تام مع مقولة كلاوزفيتز «الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى».
لقد بُني الاقتصاد العالمي منذ التسعينيات على معادلة بدت مثالية، إنتاج منخفض الكلفة، ونقل آمن، وطاقة وفيرة بأسعار مقبولة، وسلاسل إمداد مترابطة. هذه المعادلة لم تُنتج فقط الرفاه، بل أسست لصعود طبقات وسطى عالمية. حيث بدا وكأن العولمة قد نجحت في ترويض الاقتصاد والسياسة معًا. لكن ما بدأ صلبًا، كان في جوهره هشًا أمام صدمات القوة. ومع تصاعد التنافس الدولي، تحولت التجارة من أداة تكامل إلى أداة صراع، تُستخدم فيها العقوبات وإعادة التموضع الصناعي لإعادة رسم النفوذ.
ثم جاءت جائحة كورونا، لتكشف هشاشة هذا البناء. فقد انخفضت التجارة العالمية بنحو 9 % في عام واحد، وظهر الاعتماد المفرط على موردين محددين، حيث اعتمدت بعض الدول على مصدر واحد، يفوق
70 % من مدخلاتها الأساسية.
هنا تغيّر السؤال، ولم يعد عن الكفاءة، بل عن الصمود. فاندفعت الدول نحو إعادة توطين الاستثمارات، مدعومة بحزم تجاوزت في تكلفتها العالمية 500 مليار دولار.
وهكذا، لم تختفِ العولمة، بل أعادت تعريف نفسها. نحن في مرحلة الانتقال من «العولمة الرخيصة» إلى «الأمن المكلف»، حيث تتداخل الحسابات الاقتصادية مع الاعتبارات الإستراتيجية. السوق لم يعد ضامنًا للاستقرار، بل أصبح مصدرًا للهشاشة، كما حذّر ستيغليتز، إذا تُرك بلا ضبط سياسي وإستراتيجي، وهو كذلك.
بالتوازي، يشهد العالم موجة عسكرة غير مسبوقة، فقد اقترب الإنفاق العسكري العالمي من 2.7 تريليون دولار لعام 2024 (بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام)، في حين تتراجع الأولويات التنموية نسبيًا. ليست المفارقة في الأرقام فقط، بل في الاتجاه، حيث تسارع الإنفاق الأمني يقابله تباطؤ الاستثمار في التنمية.
وهنا يحدث التحول من اقتصاد الوفرة إلى اقتصاد القلق، حيث يتداخل الأمني بالاقتصادي، ويتقاطع صراع الموارد مع صراع الهوية، كما أشار هنتنغتون.
وفي قلب هذا التحول، يبرز الشرق الأوسط لا كمتلقٍ للأحداث، بل كفاعل رئيسي. فالمنطقة التي تنتج أكثر من ثلث النفط العالمي وتتحكم بممراته الحيوية، أصبحت ساحة لإعادة تشكيل التوازنات. ومع تصاعد المواجهات الإقليمية، التي تقترب من لحظة قد تمثل أكبر زلزال جيوسياسي منذ قرن، تتقاطع فيها صراعات متعددة الطبقات، الجغرافيا والطاقة وموازين القوة وغيرها.
ضمن هذا المشهد، تمثل إيران عقدة إستراتيجية معقدة، دولة منهكة داخليًا، لكنها قادرة على التأثير خارجيًا عبر أدوات تقليدية، وغير تقليدية (التأثير السيبراني، النفوذ السياسي، وإدارة التوترات من خلف الستار). دولة، لم تسقطها الضغوط والضربات، لكنها لم تنتصر أيضًا، تقف بين الضعف والقدرة، وبين الانهاك والذكاء الإستراتيجي. دولة قادرة على تعطيل الاستقرار حتى وهي في أضعف حالاتها. ما يجعل مستقبل المنطقة مرتبطًا بقدرتها على إدارة توازنها الهش.
في المقابل، تواجه دول الخليج معادلة دقيقة، ثروة كبيرة في بيئة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
