في قاعة بمقر مركز النهوض بالصادرات بتونس، وأمام رجال أعمال تونسيين ونيجيريين، وقف وزير التجارة يوم الأربعاء الأول من أفريل 2026، وأطلق كلاماً يبدو عادياً في ظاهره، لكنه يحمل في باطنه رهاناً من أكبر الرهانات الاقتصادية التي واجهتها تونس منذ سنوات. قال ببساطة: سنبني ممراً برياً يصل تونس بالنيجر وتشاد ومالي وبوركينا فاسو وجمهورية أفريقيا الوسطى، عبر معبر رأس جدير وبالتنسيق مع ليبيا. جملة واحدة، لكنها تختزل تاريخاً طويلاً من الفرص الضائعة، وتفتح في المقابل طريقاً لا يزال مليئاً بالعقبات. بلد يبحث عن موقعه على الخريطة تونس لا تكتشف اليوم أنها تقع بين قارتين. هذه الحقيقة الجغرافية راسخة منذ آلاف السنين، منذ أن كانت قرطاجة تتحكم في طرق التجارة المتوسطية. لكن هذا الموقع الاستثنائي ظل، في أغلب الأحيان، فكرة غير مستثمرة في السياسات التنموية، في وقت كانت فيه دول مجاورة تبني موانئها، وتفتح ممراتها، وتحجز مواقع متقدمة في الأسواق الأفريقية الصاعدة. اليوم، تتحرك تونس في ظرف أكثر تعقيداً مما كان عليه قبل سنوات. ليبيا تعيش انقساماً سياسياً، ودول الساحل تمرّ بتحولات عميقة، فيما أصبح التمويل الدولي للبنية التحتية أكثر انتقائية. ومع ذلك، يبقى السؤال قائماً: هل حان وقت التحرك؟ الجواب، رغم التحفظ، هو نعم. لماذا الآن؟ العالم يعيد تشكيل نفسه بسرعة. سلاسل الإمداد تتغير، وأوروبا تبحث عن شركاء أقرب وأكثر جاهزية. وفي نهاية مارس 2026، حضرت عشرات المؤسسات الاقتصادية الفرنسية إلى قمرت تحت شعار ضفتان.. مستقبل واحد ، لا بدافع المجاملة، بل انطلاقاً من رؤية عملية ترى في تونس بوابة محتملة نحو أفريقيا. في المقابل، تجد دول الساحل النيجر وتشاد ومالي وبوركينا فاسو نفسها في حاجة متزايدة إلى سلع لا تنتجها محلياً، وهي دول بلا منفذ بحري، ما يجعل أي ممر بري فعال فرصة حقيقية. وتقدَّر هذه الفرصة التصديرية غير المستغلة بأكثر من 520 مليون دولار. منافسة لا تأتي من بعيد غالباً ما يُنظر إلى المغرب كمنافس رئيسي في أفريقيا، وهذا صحيح جزئياً. لكن المفارقة أن بعض الشركات التونسية نفسها اختارت التمركز هناك، بسبب سرعة ونجاعة الخدمات اللوجستية. فمدة الشحن من أغادير إلى غرب أفريقيا لا تتجاوز أياماً، مقابل فترات أطول بكثير انطلاقاً من تونس. هذه المقارنة تبرز خللاً واضحاً: المشكلة لا تتعلق فقط بغياب ممر بري، بل أيضاً بضعف المنظومة اللوجستية داخلياً. ليبيا: شريك لا يمكن تجاهله يمر المشروع بالضرورة عبر ليبيا، بكل ما تحمله من تعقيدات. غير أن المعطى الجديد هو أن ليبيا نفسها تسعى إلى أن تكون مركز عبور نحو أفريقيا، من خلال مشاريع ممرات خاصة بها تربط موانئها بعمق القارة. هذا التقاطع في المصالح يفتح الباب أمام التعاون، لكنه يطرح في الوقت ذاته تحدياً: كيف يمكن لتونس أن تحافظ على دور مؤثر، لا أن تكتفي بدور ثانوي؟ وفي السياق نفسه، يظل غياب الجزائر عن المعادلة نقطة تستحق الانتباه، بالنظر إلى ثقلها الإقليمي ومساراتها البديلة نحو دول الساحل. أرقام تستدعي الانتباه بعيداً عن الخطاب، تكشف الأرقام واقعاً مختلفاً. فقد تراجع حجم التبادل التجاري مع أفريقيا جنوب الصحراء، رغم تصاعد الحديث عن التوجه نحو القارة. في المقابل، توجد مؤشرات إيجابية، من خلال مئات عمليات التصدير التي أنجزها فاعلون اقتصاديون تونسيون في قطاعات متعددة. وهو ما يعني أن الطلب موجود، وأن أي ممر فعال سيجد حركة حقيقية منذ بدايته. بين الطموح والتنفيذ تحويل هذا المشروع إلى واقع يتطلب أكثر من إعلان. تحديث معبر رأس جدير، وتبسيط الإجراءات، وتأمين مسارات النقل، كلها شروط أساسية لنجاح أي ممر بري. والأهم من ذلك، تحديد أهداف ملموسة وقابلة للتقييم: عدد القوافل، حجم المبادلات، وآجال التنفيذ. فهذه المؤشرات وحدها القادرة على تحويل المشروع من فكرة إلى إنجاز. تونس لا تفتقر إلى الرؤية. تاريخها يثبت قدرتها على طرح مشاريع طموحة ومقنعة. ما تحتاج إلى إثباته اليوم هو القدرة على التنفيذ الفعلي على الأرض، وتقييم النتائج بوضوح وشفافية. موعد 2029 ليس بعيداً. وتجارب مشاريع البنية التحتية في أفريقيا تُظهر أن الفارق الحقيقي لا يُصنع عند الإعلان، بل في ما يتحقق خلال الأشهر الأولى من العمل. إذا تحوّلت تصريحات وزير التجارة إلى جداول زمنية واضحة، وعقود ملموسة، وآليات تنفيذ فعالة، فإن تونس ستكون قد قطعت خطوة حاسمة نحو أن تصبح فعلاً الجسر الذي يربط المتوسط بعمق أفريقيا. أما إذا بقيت في حدود الوعود، فإن النتيجة لن تكون مفاجئة. عبد الوهاب بن موسى
مهندس اعلامية-اطار بنكي The post الممر البري نحو أفريقيا: تونس على مفترق الطرق first appeared on جريدة الحرية التونسية.
هذا المحتوى مقدم من جريدة الحرية التونسية
