ملف عمر حلفي

بين الحقائق ومخاطر السرديات

في القضايا المأساوية، لا يكون أول ما يحتاجه الرأي العام هو زرع الشك، بل ضبط المسافة بين الألم والحقيقة. وهذا ينطبق تماما على ملف عمر حلفي، الذي ما زال يفرض على كل تناول جاد قدرا من التبصر واحترام حساسية الفقد الذي تعيشه أسرته. فمن حق العائلة أن تبحث عن الوضوح الكامل، ومن حقها أن تتشبث بكل سؤال تعتقد أنه يقربها من الحقيقة. لكن من حق عمر أيضا، ومن حق الرأي العام، ألا يتحول هذا الملف إلى مساحة مفتوحة لترويج سرديات جاهزة أو لصناعتها من جديد.

منذ صدور بلاغ الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء بشأن واقعة إلقاء عمر حلفي لنفسه من نافذة المكتب بالطابق الرابع داخل مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، أضحت الوقائع الأساسية في هذا الملف مؤطرة بمعطيات قضائية وتقنية وطبية واضحة، لا بمجرد انطباعات أو تأويلات أو سرديات متداولة. فالبلاغ لم يعلن عن خلاصة مجردة، بل بنى نتيجته على بحث قضائي ومعاينات ميدانية وتفريغ كاميرا المراقبة وتشريح طبي وخبرات بيولوجية وتقنية متقاطعة، انتهت كلها إلى انتفاء الشبهة الجرمية في الواقعة. غير أن بعض الأصوات اختارت، رغم ذلك، دفع النقاش بعيدا عن هذا الأساس، من خلال التشكيك والإيحاء وإعادة تركيب الملف داخل سرديات لا تسندها المعطيات المعلنة نفسها.

البلاغ القضائي لم يكتف بإعلان النتيجة، بل عرض المسار الذي تأسست عليه. فقد أوضح أن البحث لم تُنجزه الجهة التي وقع الحادث داخل مقرها، وإنما عُهد به إلى المصلحة الولائية للشرطة القضائية بالدار البيضاء، تعزيزا لضمانات الحياد والاستقلال. كما شمل الاستماع إلى عناصر الشرطة الذين كانوا مكلفين بالبحث مع الهالك، والمعاينات اللازمة من طرف تقنيي مسرح الجريمة، وأخذ العينات الضرورية، بالإضافة إلى تفريغ كاميرا المراقبة الموجودة بفناء المقر. ووفق ما ورد في البلاغ نفسه، فقد خلصت هذه الأبحاث إلى أن عمر حلفي ألقى بنفسه من نافذة المكتب بالطابق الرابع، وأن السقوط تسبب له في إصابات بليغة كانت السبب في الوفاة.

هذا المسار تعزز أيضا بما انتهى إليه تقرير التشريح الطبي الذي أنجزته لجنة طبية ثلاثية من مختصين في الطب الشرعي. فقد أكد التقرير أن الوفاة نتجت عن مضاعفات إصابات وكسور متعددة على مستوى الجمجمة وعظام الوجه والأضلاع والفخذ، مع وجود نزيف سحائي، وأن طبيعة هذه الإصابات تتوافق مع واقعة إلقاء الهالك بجسده من النافذة. كما أظهرت الخبرة المنجزة على عينات الدم ومحتوى المعدة والبول عدم وجود أي مواد كيميائية أو حيوية خارجة عن الجسم، فيما انتهت الخبرة العلمية والتقنية المتعلقة بالأغراض والآثار البيولوجية بمكان السقوط إلى وجود نمط وراثي واحد يخص الهالك فقط، دون رصد أي نمط لغيره. وهذه المعطيات، سواء اتفق معها البعض أو تحفظ عليها، تظل إلى حدود الآن هي الأرضية التوثيقية للحقيقة داخل الملف.

ورغم ذلك، عاد الجدل إلى الواجهة بعد تدوينة لمحامي الأسرة، رشيد آيت بلعربي، أوحت بوجود تناقض بين البلاغ القضائي وبين ما ورد في محضر تفريغ الكاميرات. وهنا بالضبط تظهر الحاجة إلى قدر أكبر من الدقة. لأن النقاش لم يعد يدور فقط حول الوقائع، بل حول الطريقة التي تُصاغ بها هذه الوقائع للرأي العام. فالبلاغ القضائي كان واضحا حين تحدث عن تفريغ كاميرا المراقبة الموجودة بفناء المقر وربط ذلك بما خلصت إليه الأبحاث بشأن واقعة السقوط. أما تحويل النقاش إلى سؤال آخر عن غياب مزعوم لفيديو لحظة القفز من داخل المكتب، فيمكن اعتباره اصطناعا لنقاش يراد به إبعاد الانتباه عن النقطة الحاسمة وهي أن البلاغ أكد أن السقوط موثق وأنه شكل أحد أسس الخلاصة النهائية، ولا يكفي وحده )أي النقاش المصطنع( لإبطال الخلاصة التي تأسست على أكثر من عنصر إثبات.

ومن هنا يصبح من المشروع طرح سؤال آخر لا يقل أهمية عن مضمون الملف نفسه، وهو سؤال المنهج. فإذا كانت هناك ملاحظات قانونية أو اعتراضات أو طلبات اطلاع أو طعون ممكنة، فإن مكانها الطبيعي هو المؤسسات المختصة والمساطر التي.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من هسبريس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من هسبريس

منذ 5 دقائق
منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 4 ساعات
Le12.ma منذ 11 ساعة
هسبريس منذ 5 ساعات
هسبريس منذ ساعتين
وكالة الأنباء المغربية منذ 6 ساعات
جريدة كفى منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 10 ساعات
هسبريس منذ 11 ساعة
هسبريس منذ 12 ساعة