لم يعد السب والقذف في المغرب مجرد انزلاق فردي عابر يمكن عزله عن السياق العام، بل تحوّل تدريجياً إلى سلوك لغوي شبه مستقر داخل الفضاء العمومي، يتكرر بإلحاح في الفيديوهات المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي، ثم يتمدد داخل التعليقات حيث يبلغ أقصى درجاته، إلى حدّ لم تعد معه الإهانة واقعة شاذة تستدعي الانتباه، وإنما غدت جزءاً من الإيقاع العادي للتفاعل، علامة على تحوّل أعمق يمس وظيفة اللغة نفسها، حين تنفصل عن معناها التداولي وتتحول إلى أداة ضغط وإقصاء.
المشهد لا يحتاج إلى جهد كبير لفهمه: فيديوهات يظهر فيها مختلون نفسياً بخطاب منحط، مباشر، صادم، تُبنى جمله على الكلام السوقي المبتذل، ثم تتدفق التعليقات أسفلها في اتجاه واحد تقريباً: “عْطي لمّو”، كأنها إشارة جماعية لرفع كل القيود، كأنها ترخيص ضمني بالذهاب إلى أقصى حدود الإساءة، حيث تتكاثر العبارات البذيئة، وتُستبدل الحجة بالتشكيك، ويُختزل النقاش في الطعن الشخصي، فيتحول الفضاء الرقمي إلى ما يشبه ساحة رمزية يُقاس فيها الحضور بحدة الإهانة لا بوزن الفكرة.
هذه العبارة، “عْطي لمّو”، لم تعد مجرد تعبير دارج عابر، بل صارت تختزل منطقاً كاملاً في إدارة الكلام داخل هذا الفضاء، منطق يقوم على رفع الضبط، وتعليق المسؤولية، وترك اللغة تنفلت إلى أقصاها، حيث لا سقف لما يمكن قوله، ولا حدود لما يمكن تجاوزه، وهو ما يمنح الشتيمة وظيفة جديدة، إذ لم تعد فقط تعبيراً عن غضب، بل صارت أداة لإثبات الوجود داخل سيل متدفق من الأصوات.
القانون، في المقابل، لا يعاني من غموض في هذا الباب، إذ يميز بدقة بين السب باعتباره مساساً بالكرامة دون إسناد واقعة، والقذف بوصفه نسبة فعل محدد يضر بالسمعة، ويضع عقوبات واضحة قد تصل إلى الحبس والغرامة. غير أن هذا الوضوح يظل نظرياً حين يُقارن بواقع الممارسة الرقمية، حيث تتكاثر الأفعال بوتيرة سريعة، وتتداخل المسؤوليات، ويُستثمر الغموض بين الرأي والإساءة لتمرير خطاب لا يقوم على الحرية بقدر ما يقوم على العدوان.
الأخطر أن هذا السلوك لم يعد يُستقبل باعتباره انحرافاً، بل باعتباره جزءاً من الأسلوب، وهو ما يمنحه قابلية الاستمرار، لأن التطبيع مع الظاهرة يحولها من استثناء إلى قاعدة. وهنا يتشكل ما يمكن تسميته بوعي جمعي جديد، يرى في الانفلات نوعاً من الجرأة، وفي الإهانة شكلاً من أشكال التعبير، وهو تحول في الإدراك قبل أن يكون تحولاً في اللغة.
داخل هذا السياق، لا تبدو المنصات الرقمية بريئة من النتيجة، فهي لا تكتفي بعرض المحتوى، بل تعيد ترتيب أهميته وفق منطق التفاعل، والخطاب.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
