اعتبر أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، محمد الرفادي، أن ما يشهده السوق من ارتدادات في سعر صرف الدولار سواء في السوق الموازي أو عبر المصرف المركزي يُعد أمراً طبيعياً تحكمه آليات العرض والطلب، موضحاً أن وجود سعرين للدولار (الكاش والسحب المصرفي) يعود إلى نشاط سوق العملة الموازية إلى جانب السوق الرسمي.
وأضاف الرفادي، في تصريحات على قناة ليبيا الحدث ، رصدتها صحيفة الساعة24، أن كلما قام المصرف بضخ العملة الصعبة، يتجه المتعاملون إلى إيداع أموالهم في المصارف بهدف الحصول على النقد الأجنبي، ما يؤدي إلى تقليص الفجوة بين سعر الكاش وسعر السحب، وهو ما ينعكس على هامش الربح في السوق، مشيراً إلى أن التطور في الخدمات الإلكترونية ساهم في تقليص الحاجة إلى النقد الورقي.
وأوضح أن استمرار ضخ الدولار يؤدي إلى انخفاض الاحتياج للسيولة النقدية الورقية، في ظل ارتفاع الطلب على النقد الأجنبي، لافتاً إلى أن السوق شهد مؤخراً عمليات بيع كبيرة للعملة الصعبة في وقت وجيز نتيجة ضغط الطلب، مؤكداً أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بالإجراءات النقدية وحدها، بل بوجود اختلال هيكلي في الاقتصاد الليبي.
وأشار الرفادي، إلى أن الاقتصاد الليبي، يعتمد على مصدر وحيد للدخل ويعاني من ضعف إدارة القطاعات الإنتاجية، ما يجعل أي حلول نقدية محدودة الأثر، مضيفاً أن القطاع النفطي رغم كونه المصدر الرئيسي للإيرادات يواجه تحديات فنية وتقنية تحد من القدرة على زيادة الإنتاج، وأن أي استفادة من ارتفاع الأسعار العالمية تبقى مؤقتة.
وشدد على أن الحل الحقيقي، يتمثل في مشروع وطني شامل تشارك فيه جميع مؤسسات الدولة، محذراً من أن توسع الإنفاق العام دون إنتاج أدى إلى تآكل قيمة العملة الوطنية، في ظل ضعف أدوات الرقابة وغياب ترشيد فعلي للإنفاق.
وفي سياق الإصلاحات، أوضح الرفادي، أن النقاشات تتجه نحو توحيد الميزانية وضبط الإنفاق العام، معتبراً أن هذه الخطوات قد تحقق نتائج إيجابية إذا ما اقترنت بسياسات نقدية منسقة، لكنها تبقى مرهونة بقدرة الدولة على الاستمرار في تنفيذها ضمن مشروع متكامل.
وأكد الرفادي، أن المضاربة في سوق الصرف ستظل قائمة ما دام الاقتصاد غير إنتاجي، لافتاً إلى أن شريحة واسعة من المجتمع أصبحت منخرطة في أنشطة المضاربة بشكل مباشر أو غير مباشر. مبيناً أن الفجوة بين النقدي والقيود المصرفية ترتبط بآلية توفير الدولار مقابل العملة المحلية، وأن هذه الحلقة ستظل قائمة مع استمرار الإنفاق الحكومي واعتماد الاقتصاد على النفط كمصدر وحيد للدخل.
وبيّن الرفادي، أن الاقتصاد الليبي تحكمه سياسات نقدية ومالية وتنفيذية مترابطة، تشمل المصرف المركزي ووزارات المالية والاقتصاد والصناعة، مؤكداً أن غياب التنسيق بينها يعيد إنتاج الأزمة باستمرار، وأن أي إصلاحات تبقى مؤقتة في ظل ضغط الطلب على الدولار.
وأوضح أن ضخ مليار دولار نقداً لا يختلف في أثره عن عمليات البيع الإلكتروني للعملة الصعبة، مشيراً إلى أن الطلب لا يقتصر على التجار الكبار، بل يشمل صغار التجار واحتياجات السفر والعلاج، ما يخلق ضغطاً دائماً على النقد الأجنبي.
ولفت إلى أن تنظيم سوق الصرف عبر المصارف وشركات الصرافة يهدف للحد من السوق الموازي، إلا أن السلوك العام لا يزال يميل إلى تحقيق أرباح سريعة، ما يعيد إنتاج الاختلالات. كما اعتبر أن استقلالية المصرف المركزي شرط أساسي لاستقرار السياسة النقدية، مشيراً إلى أنه فقد جزءاً من استقلاليته بعد عام 2011، ما أدى إلى تداخل في الصلاحيات بين السياسة النقدية والمالية.
ونوه الرفادي، بأن إلغاء سعر الفائدة دون انتقال تدريجي نحو نظام بديل أربك القطاع المصرفي وأضعف قدرته على خلق السيولة، مضيفاً أن ضعف الإيرادات الضريبية دفع المصرف المركزي إلى تمويل العجز بطرق غير مباشرة، ما زاد من التشابك المؤسسي.
وشدد على أن حل الأزمة يتطلب تحييد الاقتصاد عن التجاذبات السياسية وتوحيد الإنفاق العام، محذراً من استمرار تراكم الاختلالات في حال بقاء الوضع على ما هو عليه.
وفي سياق إدارة النقد الأجنبي، وصف الرفادي، ملف الاحتياطيات بأنه لغز دائم ، لافتاً إلى أن تغطية الطلب تعتمد على عائدات النفط وأسعارها المتقلبة، وأن أي استقرار يبقى مرتبطاً بالتفاهمات السياسية الداخلية.
وأشار إلى أن الاستقرار النقدي يتطلب توازناً بين الإيرادات والإنفاق وتوحيداً فعلياً للسياسات الاقتصادية، مؤكداً أن استمرار الوضع الحالي يعيد إنتاج نفس الأزمة.
واستشهد بتجربة الكويت في أزمة سوق المناخ خلال الثمانينيات، موضحاً أن غياب الإنتاج أدى إلى انفجار المضاربات، قبل أن تتجه الكويت لاحقاً إلى إنشاء صندوق سيادي لاستثمار الفوائض النفطية عالمياً.
وأكد أن ليبيا تمتلك فرصاً اقتصادية أكبر، لكنها بحاجة إلى تحول جذري نحو الإنتاج وتفعيل المؤسسات الاستثمارية، ضمن مشروع وطني طويل الأمد يعيد هيكلة الاقتصاد ويعزل السياسة عن إدارة الملفات الاقتصادية.
هذا المحتوى مقدم من الساعة 24 - ليبيا
