ملخص في الساحة الترابية خلف خيام أهلهم النازحين، يترقب الأطفال صيحة مدوية تعلن وصول قافلة المساعدات، ويبدأون في تجسيد واقعهم على شكل لعبة قاسية يختبرون فيها غريزة البقاء قبل أن يتقنوا القراءة والكتابة، وبمجرد أن يسمعوا الإشارة وهي صراخ هيثم "وصلت الشاحنات"، تبدأ اللعبة.
بين خيام النازحين المتهالكة، يتجمع أطفال مخيم غزة ويخططون لعبة "تأمين المساعدات"، بسرعة ينقسم الصغار إلى فريقين بملابس رثة ووجوه شاحبة، فريق يمثل عناصر التأمين يمسكون بأعواد خشبية مكسورة، وفريق الجائعين الذين تلمع عيونهم بلهفة تحاكي جوعاً حقيقياً وليس مجرد لهو ولعب.
في الساحة الترابية خلف خيام أهاليهم النازحين، يترقب الأطفال صيحة مدوية تعلن وصول قافلة المساعدات، ويبدأون في تجسيد واقعهم على شكل لعبة قاسية يختبرون فيها غريزة البقاء قبل أن يتقنوا القراءة والكتابة، وبمجرد ما يسمعون الإشارة وهي صراخ هيثم "وصلت الشاحنات" تبدأ اللعبة.
محاكاة المجاعة المسرح عبارة عن صندوق كرتوني فارغ، كان يوماً يحمل معلبات حقيقية، والآن يتوسط الساحة كأنه كنز مفقود، يقول هيثم "هذه ليست مجرد لعبة، إنها قصة حقيقية رأيناها بأعيننا، واليوم تحولت إلى لعبة هدفها التسلية والتفريغ النفسي".
في الواقع، يحاول الأطفال محاكاة المجاعة الثانية التي ضربت قطاع غزة في الفترة الممتدة ما بين مارس (آذار) 2025 حتى سبتمبر (أيلول) من العام نفسه، وخلال تلك الفترة كانت إسرائيل تسمح لقافلة من خمس شاحنات فقط بالدخول إلى القطاع وتقف تلك العربات في نقطة محددة ويهرع الغزاويون للحصول على نصيب بسيط من الكراتين إما علبة فول أو تونة.
يكرر هيثم نداءه "وصلت الشاحنات" وما أن يتفوه بهذه العبارة ينفجر المشهد، يندفع الأطفال من فريق الجائعين بنسق فوضوي، يسقط أحدهم أرضاً ولا أحد يقدم له يد المساعدة، بعضهم يسير بقدميه عليه، والصغار الآخرون يتسابقون للحصول على كرتونة فارغة.
يحاول الصغار في فريق التأمين صد الهجوم، وتنظيم طابور وهمي لا يصمد طويلاً أمام الاندفاع، فالحصول على الحلم المعلب هو المهم الآن، ومن بينهم حشود الصغار يرفع هيثم يده يحمل علبة تونة فارغة محشوة بالرمل يركض بها بعيداً كأنه حقق نصراً عسكرياً.
يقول وهو يلتقط أنفاسه، "في اللعبة، أنا سريع دائماً وآخذ المعلبات لعائلتي، الحقيقة أصعب بكثير، هناك الزحام يخنقنا، لكن هنا أنا من يقرر من يأكل".
بالنسبة لهيثم ورفاقه، هذه ليست تسلية بل هي تفريغ للصدمة، الحرمان من الغذاء الحقيقي والوقوف لساعات في طوابير التكية جعل من المساعدات المحور الذي تدور حوله أحلام صغار غزة، فاستحضروها في لعبهم ليحاولوا السيطرة على شعور العجز.
تبدو لعبة الأطفال "تأمين المساعدات" واقعية وقاسية، يقلد الصغار التدافع والصراخ وأحياناً السقوط أرضاً للحصول على المعلبة الوهمية، وتعكس هذه اللعبة صراع البقاء حين تحول الغذاء من حق طبيعي إلى جائزة يحتاج الحصول عليها إلى قوة بدنية وسرعة، وهو ما يرسخ مفهوم البقاء للأقوى في عقولهم الصغيرة.
يضيف هيثم، "بهذه اللعبة نحاول تفريغ مشاعر الحرمان والجوع التي نعيشها فالحصول على علبة تونة فارغة في اللعبة يمنحنا شعوراً وهمياً بالانتصار على الجوع الحقيقي، من خلالها نفهم الاضطراب الذي عاشه أهلنا ونحاول والتعايش معه".
في غزة حول الأطفال مخلفات الحرب والركام إلى أدوات للعب ووسيلة لابتكار عالمهم الخاص وسط الدمار، حيث برزت عدة أشكال لهذه الألعاب بما يعكس صمود الأطفال وقدرتهم على التأقلم وفي نفس الوقت تكشف حجم الصدمات النفسية التي يعانون منها، حيث باتت مفردات الحرب والموت جزءاً أساسياً من خيالهم اليومي.
إضافة إلى الألعاب المرتبطة بالواقع القاسي، ابتكر أطفال غزة ألعاباً أخرى تجمع بين المحاكاة الاجتماعية والألعاب الشعبية، من خلال استغلال الموارد المتاحة في خيام النزوح والركام.
أرجوحة وسط الركام في الزاوية التي كانت يوماً حديقة منزل الطفلة غادة لا يوجد اليوم عشب أخضر أو مقاعد خشبية، بل جبال من الإسمنت المفتت، وسط هذا الخراب، تقفز الصغيرة بضفائر مغبرة تطير في الهواء فوق أرجوحة لم تصنعها مصانع الألعاب.
بين أعمدة الحديد التي أسقطتها القذائف الإسرائيلية ربطت غادة بقايا حبال الغسيل المتينة وتثبيت قطعة قماش مهترئة كانت جزءاً من ستارة صالونهم المدمر لتصنع أرجوحة، ثم نادت على شقيقها عمر ليدفعها بقوة نحو السماء.
تقول الصغيرة غادة وهي تلعب "الدبابة أسقطت العمود، لكننا رفعناه مرة أخرى، لا نرى الدمار أسفلنا عندما نطير، نرى السماء فقط، الأرجوحة تجعلنا نشعر أننا في ملاهٍ بعدما فقدناها في غزة، لقد حولت الأعمدة المدمرة إلى مراجيح".
مع كل حركة ذهاب وإياب، يصدر العمود المعدني الملتوي صريراً حاداً، كأنه يئن من ثقل الذكريات، لكن ضحكات غادة وعمر تطغى على كل الأصوات، تضيف الطفلة "هذه أسرع وسيلة لخلق مساحة للفرح.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من اندبندنت عربية
